المعرفة التاريخية بين التهميش والإنكار: السيفو أنموذجا

ISSAالفيلسوف والمؤرخ هنري ايريني مارو يرى أن المعرفة التاريخية هي معرفة علمية ينشئها المؤرخ إعتمادا على منهج علمي دقيق وصارم للتاريخ بهدف بلوغ الحقيقة”، وهذا الكلام منطقي وعلمي، وعليه يحتاج ما لدينا من سجلات تاريخية لإعادة صياغة التاريخ اعتمادا على موازين ومقاييس جديدة وعلمية ومحايدة بعيدا عن مصالح وأهواء كتبة التاريخ القديم والحديث، فكما قيل سابقا “التاريخ يكتبه المنتصرون”، يكتبونه وفق رؤيتهم ومصالحهم، وتهميش وإنكار أي وجود وحقائق وحقوق للطرف الآخر المنكسر.

هذا ما كان في التاريخ القديم وهذا ما جرى نسبيا في التاريخ الحديث، والأمثلة كثيرة وتنطبق على شعوب كثيرة غبنها التاريخ وحرمها حقها من الانصاف، ولكن سأتناول هنا حالة التهميش والانكار التي لحقت بالشعب الآشوري السرياني كمثال في موضوع بحثي هذا.

فشعبنا الآشوري السرياني من الشعوب التي تعرضت للغبن والحرمان والتهميش والنكران في تاريخه القديم وخصوصا بعد سقوط الامبراطورية الآشورية البابلية عام 539 قبل الميلاد، اذ تعرض لاحتلال فارسي في شرق بلاده ولاحتلال يوناني وبعده روماني في غربها، تلاه الفتوحات العربية الاسلامية ثم العثمانية حتى مطلع القرن العشرين، ورغم كل ما قدمه هذا الشعب من خدمات في بناء أسس الدولة خلال مراحل الاحتلال، وفي ترجمة علومه وثقافته ومدنيته من لغته السريانية الى العربية، تعرض للتهميش والاقصاء والتمييز والصهر القومي والديني، حيث جرى التعامل معه ك”أهل ذمة” وفق أحكام الشريعة الاسلامية ما يعني مواطن من الدرجة الثانية عليه دفع الجزية مقابل استمراره بالحياة وحق العبادة. وقد تجاهل كتبة التاريخ العربي والعثماني كل ما قدمه من خدمات وتضحيات، بل جرى التنكر لهويته القومية والثقافية بتسميته بمجرد انتمائه الديني الطائفي، وصولا لتشكل الدول القومية بعد الحرب العالمية الأولى حيث استمر التنكر التام لهويته القومية التي هي حق طبيعي لكل قوم وجماعة قومية، ففي تركيا الجديدة اعتبر هو ومعه الأرمن واليونانيين وغيرهم مجرد “أقليات غير مسلمة” أي أتراك غير مسلمين. أما في الدول العربية كسوريا وغيرها فقد اعتبر مجرد عرب مسيحيين ينتمي لطوائف دينية مختلفة. إضافة ان حالة التنكر للتاريخ طالت الجغرافيا والحقائق التاريخية، فقد تبنت هذه الدول في برامجها المدرسية والرسمية أن هذه البلاد عربية منذ بدايات التاريخ وأن الآشوريين السريان هم عرب نزحوا من الجزيرة العربية بحالة تسييس قسرية للتاريخ، وهذا ما جرى في تركيا حيث تم التنكر لوجود قومي لأي قوم سوى الشعب التركي، ولازال الدستور التركي يعتبر سكان تركيا جميعهم أتراكا، وأن الجغرافيا التركية الحالية هي وطنا ازليا للاتراك، متجاهلين حقيقة مجيئ الاتراك للمنطقة واحتلالهم لها لا يتجاوز خمسة قرون فقط. إن هذا التنكر هو نموذج للحقائق في التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا ومثال حي للتهميش والانكار في موضوع بحثنا هذا.

أما في ما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن والآشوريين السريان واليونان البنطيين إبان الحرب العالمية الأولى، فهي نموذج ساطع للتنكر للحقائق التاريخية من قبل الدولة التركية ومثال حي الى عنق الحقائق رغم كون هذه الجريمة لم يمضي عليها سوى مائة عام، والاثباتات والوثائق الدامغة على حدوثها بوصفها جريمة ابادة جماعية لازالت تملأ قاعات الارشيف الرسمي للدولة التركية ولمعظم الدول الكبرى التي

كانت لاعبة في مسرح الأحداث كألمانيا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، فضلا عن شهادات العديد من المراسلين الصحفيين ووثائق ومراسلات قناصل عديد من الدول ومنها أمريكا نموذجا.

الانكار لهذه الجريمة ساد السياسة التركية لمدة مائة عام، ولازالت تنكر هذه الحقيقة، علما أن أكثر من عشرين دولة أعترفت بوقوعها بحق الأرمن اضافة للاتحاد الاوروبي، جرى ذلك نظرا لجهود جبارة بذلتها الاحزاب والمؤسسات الأرمنية بالتعريف بهذه الجريمة وطلب الاعتراف بوقوعها مدعومة من وجود دولة أرمنية لها دور هام في هذا التأثير رغم محدودية حضورها دوليا، أما مؤسسات وأحزاب الشعب السرياني الآشوري فقد نشطوا خلال العشرين سنة الآخيرة في هذ الطريق وبذلوا جهودا جبارة في سبيل كشف حقيقة وقوع هذه الجريمة بوصفها إبادة جماعية بحق الآشوريين السريان في نفس الزمان والمكان وعلى أيدي نفس الجناة وأيدي الاجرام وهي هنا حكومة الاتحاد والترقي التركية، وقد تكللت الجهود باعتراف برلمان السويد بها ثم تلاه هذا العام اعتراف برلمانات هولندا والمانيا والنمسا وصربيا اضافة للفاتيكان والبرلمان الأوروبي، في سياق إحياء الآشوريين السريان والأرمن للذكرى المئوية لهذه الجريمة “السيفو“.

ومن اجل أن نكون في عرضنا بأقرب حالة من الدقة والتوثيق والتحليل المنطقي لعرض موقفنا لابد لتقديم بعض الدلائل والشواهد التي تثبت حقيقة ما وقع بوصفه جريمة ابادة جماعية جرت بتخطيط ومنهجية من قبل حكومة الاتحاد والترقي التركية كحكومة رسمية وليست مجرد عصابة قطاعة للطرق. مما يحمل مسؤوليتها القانونية للدولة التركية والحكومة التركية الحالية التي هي استمرار قانوني لها.

عرض لبعض الشواهد لوقوع الجريمة:

1-إن شعبنا الآشوري السرياني الذي كان يعيش قبل الحرب الأولى في جزء من موطنه الكائن الآن في جنوب شرق تركيا الحالية (التي تعرف بالادبيات السريانية ببيت نهرين العليا) ينتشر من جبال حيكاري شرقا وحتى اضنا وكامل كيليكيا غربا مرورا بطورعبدين وماردين والرها ودياربكر وخربوط وغيرها، كان يقدر عدده وقتذاك بمليون نسمة، وكان هذا العدد يشكل نسبة هامة من مجموع السكان في هذه المنطقة، ولولا حدوث المجازر وما رافقها من تهجير، لبقي شعبنا مقيماً هناك ولأصبح عدده الآن عشرة ملايين (حسب التزايد الطبيعي في المنطقة 3%)، إن العدد الحالي لشعبنا المتبقي في هذه المنطقة الآن لا يتجاوز/2500/ إنسان.

إن تركيا وحلفائها مسؤولون تماماً عما جرى من إبادة بكل تعاريفها ومدلولاتها الواقعية الجلية، وإن شعبنا هاجر من وطنه كنتيجة لتلك المجازر الى كافة أصقاع الأرض، فهو بالتالي هناك حصيلة لتلك المجازر، وان شعبنا في مهاجره تعرض ويتعرض إلى إبادة من نوع جديد هي “الإبادة الثقافية“، أي ضياع الهوية والانصهار في ثقافات المهجر. وطبعا نفس الحالة تنطبق على الأرمن في خلو ستة مقاطعات ذات اغلبية ارمنية في جنوب شرق تركيا من الأرمن تماما فضلا عن مصادرة كامل أملاكهم وأراضيهم.

2- يذكر “فاسيلي نيكيتين” القنصل الروسي بمدينة اورميا بايران في كتابه معلومة مهمة عن تصريح لوالي ولاية “وان” التركي جودت باشا، في اجتماع رسمي له في مبنى الولاية في شباط 1915 يفتخر فيه بأنه أجرى في حملته في ك2 1915 على قرى سلامس وأروميا في غرب ايران تكنيسة كاملة للأرمن والآشوريين المدنيين. في حملته المؤلفة من عشرين الف عسكري تركي نظامي مدعومة بعشرة الآف من عشائر كردية حليفة عاثوا بسكانها المدنيين الآمنين قتلا ونهبا. ويعتبر المؤرخ والباحث جوزيف بابلو بأن هذه الجريمة بداية الجينوسايد الآشوري السرياني.

3- يذكر “أرنولد توينبي” المؤرخ الإنكليزي في مذكراته حيث كان في شبابه مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز وشاهدا على الجريمة: “لم يكن المخطط يهدف إلا إلى إبادة جميع السكان المسيحيين الذين يعيشون داخل الحدود العثمانية”.

4- يذكر “هنري مورغنتاو” السفير الأمريكي في تركيا بين عامي 1913 و1916في كتابه قتل أمة: “في ربيع عام 1914وضع الأتراك خطتهم لإبادة الشعب الأرمني.وانتقدوا أسلافهم لعدم تخلصهم من الشعوب المسيحية أو هدايتهم للإسلام منذ البدء. ويضيف: لقد أتاحت ظروف الحرب للحكومة التركية الفرصة، التي طالما تاقت إليها، لإحكام قبضتها على الأرمن، ويضيف: لم يكن الأرمن الشعب الوحيد بين الأمم التابعة لتركيا التي عانت من نتائج سياسة جعل تركيا بلدا حصريا للأتراك، فهناك اليونان والآشوريين من السريان والنساطرة والكلدان، إن تركيا ستبقى مسؤولة عن كل تلك الجرائم أمام الحضارة الإنسانية“.

5- ارسل السفير الألماني البارون فانكنهايم كتابا لحكومته بتاريخ 17 حزيران 1915 يقول فيها: “إن طلعت باشا أعلن صراحة أن الباب العالي وجد في ظروف الحرب فرصة ملائمة للتخلص من أعداء البلاد في الداخل دون أن تزعجه مداخلات أحد من الدبلوماسيين”.

6- صرح طلعت باشا وزير الداخلية التركي للسفير الالماني في استنبول في 31 آب 1915: “لم يعد ثمة وجود للقضية الأرمنية”. وقال ايضا: “إنني تمكنت من تنفيذ ما عجز عنه السلطان عبد الحميد خلال ثلاثين عاما بثلاثة أشهر فقط”.

7- في 15 نيسان 1915 بعث السفير الألماني بتركيا “فانغنهايم” ببرقية إلى المستشار الألماني يخبره فيها أن مسيحيي ولاية “وان” تعرضوا ل”إبادة شاملة” بتواطؤ من السلطات المدنية المحلية.

الانكار التركي للجريمة

الحكومة التركية لازالت تنكر وقوع جريمة الابادة الجماعية بحق الارمن والآشوريين السريان وتعتبر إن ما جرى مجرد مذابح (massacres) كنتيجة طبيعية مباشرة للحروب، وامعانا بالانكار اصدرت الحكومة التركية قرارا عام 2005 تجرم فيه من يعترف بحدوث المذابح في تركيا، والحال أن هذه الجريمة كما قلنا جرى تنفيذها بمنهجية وبسابق اصرار تطبيقا لقرارات سابقة اتخذت في حزب الاتحاد والترقي منذ سنوات قبل الحرب في سياق إقامة الدولة التركية الطورانية الخالية من الاجناس المخالفة، ومؤخرا صرح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بانه سيتصدى بكل قوة لاي حملة تهدف الى جعل تركيا تعترف بصفة الابادة لمذابح الارمن عام 1915 التي تحل ذكراها المئوية السنة الحالية، ما يدل على إمعان تركيا بانكارها لهذه الجريمة، وهذا الانكار ما هو إلا جريمة بحد ذاتها واستعداد لتكرارها من جديد، فلازال الاتراك الجدد الذين يتغنون بالديمقراطية وحقوق الانسان ينكرون ال”سيفو” ويتهربون من تطبيق بنود معاهدة لوزان بما تحتويه من الحد الادنى من الحقوق الانسانية، فضلا عن تنكرهم لوجود وحقوق ملايين من الشعب الكردي في تركيا.

إن التخلي عن معاقبة المجرمين والجناة يشجعهم على تكرارها ويشجع غيرهم على ارتكاب جريمة مشابهة لها، فلو عوقب الجناة الاتراك لما حصلت جريمة ابادة اليهود والبولونيين وغيرهم (الهولوكوست) في المانيا إبان الحرب العالمية الثانية ورأينا كيف أن الزعيم النازي أدولف هتلر، عندما قرر غزو بولندا عام 1939، طلب

من جنرالاته أن يقتلوا كل من ينتمي إلى العرق البولندي بلا رأفة من أجل تأمين مجال ألمانيا الحيوي. وقال لهم لتشجيعهم وإزالة الخوف من نفوسهم: “لا أحد يتحدث في هذه الأيام عما حلّ بالأرمن في تركيا“.

واجب الأمم المتحدة حيال ال”السيفو” والانكار التركي لها

نظرا لكون الأمم المتحدة الهيئة الدولية المعنية بتطبيق احكام القانون الدولي وملاحقة مرتكبي جرائم الابادة ضد الانسانية وفقا للاتفاقية الدولية لعام 1948، من واجبها احياء فكرة اصدار قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتحديد يوم خاص لإحياء ذكرى ضحايا “السيفو”، على غرار القرار الذي اصدرته بدورتها ال 62 في ت2 2004، والذي أقرت فيه يوما عالميا لذكرى ضحايا المحرقة (الهولكوست)، بأن ينص القرارعلى إدانة دون تحفظ أي إنكار لجريمة “السيفو” كحدث تاريخي. وحث جميع الدول الأعضاء على رفض وبدون تحفظ أي إنكار أو تجاهل للجريمة سواء يكون هذا الإنكار كاملاً أو جزئياً، والتأكيد على أن جريمة “السيفو” حدث تاريخي وأن أية جهود لإنكارها أو تجاهل هذه الأحداث المرعبة من شأنها المخاطرة في تكرارها.

واجب الدول الكبرى التي كانت لاعبا رئيسيا في الحرب العالمية الاولى

والتي كانت حاضرة في ساحة الحرب في المنطقة، ألمانيا كحليف لتركيا خلال الحرب تتحمل مسؤولية جزئية عن كل ما اصاب ضحايا هذه الجريمة. كما ان كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا في الطرف الآخر كانوا شجعوا الشعوب الرزاحة في نطاق الامبراطورية العثمانية على الثورة ضد الاتراك، واطلقوا وعودا في دعم نضالات هذه الشعوب من اجل التحرر من الاستعباد التركي، مما اعطى مبررا للحكومة التركية لتنفيذ جريمتها بحجة حماية حدودها وخاصرتها الجنوبية الشرقية الضعيفة كون اغلبية سكانها من الأرمن والآشوريين السريان واليونان. ولم يقدم الحلفاء أية مساعدة لهذه الشعوب عمليا وتركوهم يلاقون مصيرهم المأساوي تحت أيدي الجناة الاتراك. وبرأينا يترتب على هذه الدول مسؤوليات قانونية وسياسية وأخلاقية للاعتذار من هذه الشعوب وانصافها وأقله الاعتراف الرسمي بوقوع الجريمة وحث تركيا على الاعتراف بها.

خاتمة

بالعودة لعنوان بحثنا فإننا نستخلص أن الانكار والتهميش لحقائق الاحداث والوقائع التاريخية لازال قائما، وهو للأسف محكوم بمعادلات المصالح السياسية بين الدول، وستبقى الشعوب والجماعات الضعيفة في التاريخ التي حرمت من حقوقها وجرى تهميشها والتنكر لوجودها وهويتها وتشويه تاريخها قائما حتى تتغير اتجاهات معادلات المصالح السياسية للدول، وحتى يبزغ فجر جديد تصنعه الشعوب بنفسها يقوم على معايير الحق والحقيقية، ويكتب تاريخها مؤرخون مهنيون يزينون كل حدث بموازين العدل، ويقيسون أبعاده بمقاييس الحيادية والانصاف. وإن كان ذلك يبدو حلما إلا أن عدالة التاريخ يمكن ان تسمح بتحقيقه.

عيسى حنا: أستاذ اللغات الشرقية مداخلة قدمت في ندوة أقامها المعهد الاسكندنافي لحقوق الانسان حول التطرف المذهبي في الشرق الأوسط حق المعرفة وحرية الاعتقاد

جنيف 5-6 سبتمبر 2015