محطات في الفكر الإسلامي والحقوق الإنسانية / هيثم مناع

I_have_an_idea_by_kosepa-62محطات  في الفكر الإسلامي والحقوق الإنسانية

هيثم مناع

“من ينقد عليك هو كمن يؤلف معك.. خطة درج عليها كل من أخذ قضية الفكر من أنحائه، بقداسة، وفي القداسة كما تعلم، تجرد وسمو فوق مسافّ الأعصاب وفيها إلى هذا كله، تبتل لعله العبادة؛ فيكون من يبحث كمن يصلي. كلاهما يستهدف الجوهر الحق، متخطيا إليه ما اعترض من حوائل الأشياء”,

عبد الله العلايلي

أصل الداء

أبرز أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” حقيقة الإنحدار الحضاري-المدني والتأخر العلمي والثقافي للعالم الإسلامي، ولكنه لم يمتلك الجرأة، على طرح الأسباب الجوهرية لأفول الحضارة العربية الإسلامية. فإطلاق تعريف الحضارة ليس اعتزازا شوفينيا أو مراضاة شعبوية، لقد عاشت بغداد بالفعل، هذه الحقبة الذهبية التي سبقت أوربة في وضع كل مقومات التنوير على بساط البحث: التناقض بين المعجزة والواقع والمواجهة بين النبوة والعقل، إنسانية النحن، ملف التعارض بين النقل والعقل (الإتباع والتجديد، الاستمرارية والإنقطاع..) والصراع بين المعرفة الحكمية والمعرفة الدينية، إشكاليات التعارض بين مفهوم العدالة الإلهية ومظالم الخلافة الإسلامية، إعادة اكتشاف العلوم التطبيقية والفلسفة الإغريقية والتراث الآسيوي، التعددية المعرفية والمنهجية بوصفها اغتناء طبيعي لا عنصر ضعف وانطلاقة فكرة الإنسان الكامل، السلف المباشر لنهاية الإنسان القاصر كشرط للتنوير.. إلا أن هذا الصراع النظري والفكري والسياسي الاجتماعي قد حورب من الخلافة الرسمية بالسيف بدعم من الأئمة الذين اعتمدوا سياسة تكفير الآخر والتقوقع والإنغلاق على النفس خوفا من أي حوار ممكن لتتبلور جملة أركان فتاوى الإستبداد بتعبيره الشمولي: قياس التقوى بالطاعة العمياء، حصر العلم بالتمسك بالسلف الصالح (الدين منقول وليس بمعقول)، اختزال الإيمان في غياب حرية إرادة الفرد والجماعة: “الخلق كله لله يميت ويحيي ويفقر ويغني ويصح ويسقم ويبتدي بالنعم من يشاء”(ابن قتيبة)، الفتوى بطاعة الخليفة وطائفية السلطة (طائفة الخليفة هي طائفة الأئمة والمجتمع). وهكذا لم ينتظر المشرق العربي و/أو الإسلامي اجتياح المغول وسقوط بغداد (1258 م/656 هـ)ليدخل عهود السواد. وإن كانت الخلافة قد تسابقت مع الدين في تفسخها، فقد مثل القرن الخامس الهجري/الحادي عشر ميلادي بحق مرحلة “الهيمنة العقيدية” التي طبعت الدين الإسلامي بل حولته إلى جثة مشرحة في مخابر الأئمة لا تنبض بأي روح عبر محاصرته في البيت الإيديولوجي بأسوأ ما للكلمة من معنى: “نظام مغلق من “الحقائق” المطلقة الأبدية: ربوبية مطلقة، عبودية مطلقة، طاعة غير مشروطة، طوفان الفتاوى والشعائر، مصادرة فكرة الإنسان العاقل المستقل البالغ لمواصفات الخليفة.. جعبة ميراث العلوم الدينية كلها تخرج عن سيرورة إنتاجها الفعلية لتدخل مع القرآن في هالة اللاهوت والقدسية عبر التكرار والإجترار المقيت للآباء الأوائل ما فعلوا وقالوا وما سمحت به عقلية الحقبة من إضافات ضرورية لما فعلوا وقالوا  ضمن منطق سيعيش طويلا (الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت – سيد قطب)، لم يعد للطاقم الإسلامي (فقهاء ورجال دين وعلماء ومشايخ) إلا رصد حركة التأويل والتفسير والفقه والرواية والقياس والإفتاء في القرون الأربعة الأولى للإسلام ضمن مهمة واعية ومنظمة وضع قاعدتها الإمام الشافعي في “التكافؤ في تقديس المراجع”، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لوضع حد لتطاول الفلسفة والعقل والإلحاد والزندقة والمجون والعامة على الدين الحنيف. مع التأكيد على إعلان حالة طوارئ دائمة باعتبار سد الذرائع الشرط الوقائي لإغلاق أبواب الفتن.

سيتكفل الماوردي (مات 1056م-450 هـ) بترتيب دستور الخلافة ومنح بركات الشرعية التاريخية والدينية للخليفة، عبد القاهر البغدادي (مات 1037م- 429 هـ) سيبين “الفرق بين الفرق” لتحديد مواصفات الفرق الكافرة والفرقة الناجية، ابن الجوزي (مات 1200م- 597 هـ) سيقوم بغسل الأرثذوكسية وتنقيحها من شوائب الشيطان في كتابه “تلبيس إبليس”، بعد أن لخصّ الغزالي (مات 1111م/505 هـ) الإسلام: “الدين شطران، أحدهما ترك المناهي والآخر فعل الطاعات” (بداية الهداية) ونظمّ السنن في موت-إحياء علوم الدين ليعمد حجة للإسلام السني. الغيبتان الصغرى والكبرى، سجلتا انتقال الإمام إلى السماء وسلطته إلى الإكليروس الإثني عشري. جفاف الرؤوس بعد اثني عشر إماما لا تقل قداستهم عن الأنبياء، ستنكفيء في أسطورة الجثة السلفية الشيعية إلى الكمال الأرضي في العلم تحقيقا للكمال في السماء: “الكافي في الحديث”، “من لا يحضره الفقيه”، “إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة”..إلخ ستؤرخ حسب تعبير علي حسين الجابري “لنقاء العقيدة وصفائها” أي غسلها من شوائب الشيطان والنظر والجدل والبدع والغلو والجابريات.. “يا علي! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض” (إبن بابويه، كمال الدين، ص 248). لقد تمت عملية تركيب الأسطورة في الكتب والشعائر، أما في الحياة اليومية، فمهما كان مبالغا القول بوجود “مائتي ألف محدث” في قم فعشرهم بأضعف الإيمان، معتاش من إمامة العدل، يأكل ويشرب وينكح من الخمس، فيما سيعطي إلى جانب جهاز الخليفة، جهاز سلطان الأئمة. رفعت الأقلام وجفت الصحف، ما كان بوسع البشر قوله قيل، ومجرد طرح السؤال هل تهافت المسلمون أم الفلسفة بعد تدوين الغزالي (تهافت الفلاسفة) سيكلف ابن رشد إحراق كتبه على الملأ.

حلم المنصور “لا يصلح السلطان إلا بالتقوى ولا تصلح رعيته إلا بالطاعة” يتحقق في كاريكاتير الدويلات والسلاطين المحكومين من قادة جيوشهم، وسيشبع الأئمة مجلدات الحديث بعباراته أحاديث للنبي والخلفاء والصحابة: “الملوك ملهمون”، “السلطان ظل الله في الأرض”، الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه”، “إسمعوا وأطيعوا ولو وإن استعمل عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة”، “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له”، من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلة”… وليس من الغريب الإصرار الحنبلي من ابن الجوزي إلى ابن تيمية على أن الحديث “أول ما خلق الله العقل” موضوع بإجماع الأئمة.

أصبح الإنغلاق سمة عصر، انغلاق الفرق على نفسها بل تكلسها كجماعات عضوية، وتعصب القبائل لمكوناتها في السراء والضراء، اندثار الدويلات في جحر سلاطينها والحاضر في أسطرة ماضيه. الفقهاء يفسرون الإنحسار والإنحدار الاقتصادي والتردي الاجتماعي والتراجع الثقافي والأمية المعممة باعتبارهم خصيصة الإسلام وخاصيته: خروج المرأة من بيتها مجون، والنقاش في الدين والفلسفة زندقة، الحديث عن الإستبداد فتنة، واعتماد العقل اعتزال، مناقشة الإمامة باطنية وشكوى الفقر قرمطة.

ليس لنا أن نصف البؤس بكلمات لا تملك أن تعبّر عن مداه، كل يوم يحمل لأصحابه مصائب جديدة.. لقد هرم الناس بل دفنوا أنفسهم أحياء.(1)

الإسلام الذي انتشر لقرون، لم يكن إسلام الخمسين عاما الأولى، أو التعبير عن غنى وخصب النهضة العربية الإسلامية في الحقبة العباسية المزدهرة، وإن كان بالمعنى التاريخي، نتاج قرابة مئة وخمسين عاما عاش فيها عمدة التكوين البنيوي للحديث والفقه، ولتسهيل مهمة البناء الإيديولوجي لما سيعرف بالسنن، ظهر قرابة خمسين حديثا نبويا لإدانة كل من سيتهم بالخروج عن المنظومة الإيديولوجية طور التكوين: “كل بدعة ضلال”، “ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة”، “إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته”، لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الإسلام كما يخرج الشعر من العجين” (أنظر البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد والبزاز).

ولكن ماهي السنن؟ كيف يمكن “سد باب الفتنة”، وكيف يمكن إحكام التوتاليتارية العقيدية لمواجهة الزندقة والمجون والإلحاد والترجمة والفلسفة؟ هنا سيبدأ العمل الإيديولوجي الشمولي الواسع لاستحواذ الحياة الدنيا، إلغاء مجال حركة الإنسان تكبيل وجوده المدني، تأطير قرته على الاستقلالية الفكرية، وبتأصيل الإتباع في الممارسة تجري عملية قتل الزمن الحر أو أي سكرة حرة للإبداع. يتحدث ابن النديم عن أكثر من أربعين كتابا ومجلدا بعنوان “السنن” و”الفرائض”كتبت في هذه المرحلة ومئات الكتب في السلوكيات، كيف يمكن ربط كل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان بالمعطى الديني، كيف تمكن ملاحقته بتعميم المقدس والمدنس على كامل الوجود الإنساني، عندما يشعر بالحاجة للتبول وعندما يتبول ولحظة انتهاء التبول وغسل يده أو البحث عن حجر يرفع النجاسة عنه، كيف يغسل وجهه أو يتوضأ وعدد الحور العين المكتسبات كلما رفع قشة من أرض المسجد أو استذكر دعاء أو عزم على ممارسة الجنس بل أثناء ذلك وبعده!!. كيف ينام وكيف يستيقظ، كيف يقرأ وماذا يقرأ …

السنن تخبر، القياس على القرآن والسنة يكملان، الإجتهاد كأسير للثلاثة بأحسن الأحوال (قبل إغلاق أبوابه).. كل هامش لا تصله سنن الله ورسوله وفقهائه في خلقه في الحياة اليومية يمكن أن يتسلل منه الشيطان، الذي أصبح تعريفه أشمل بكثير من رفض السجود للإنسان بعد خلقه: “إعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله ومصدرها استبداده بالرأي واختياره الهوى في معارضة الأمر” (الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص16.)…

الشعائر المكثفة تدخل الحياة لتحكمها، لترسمها، لا لتزينها أو تكملها، فهي الأصل والفرع، الجوهر والهامش، المهم والتافه، العبادات التطبيقية وتوابعها تحكم المجتمع بوظيفة عملية حياتية كشرط لإسلامه المعلن. يتوقف السؤال التقليدي هنا حول مدى إيمان الناس، كون السؤال لا يمس شعائرية الحياة نفسها، كذلك يصبح غير ذي جدوى فحوى التساؤل عن مدى صحة وانسجام عاشوراء أو زيارة القبور وكرامات الأولياء أو هدمها لإقامة شعائر أخرى، كون المشكلة لم تعد في حقيقة إتيان القرآن بالطقس وإنما في وجوده في الحياة الحقيقية فعلا. نحن أمام الإنسان المموضع المأسور والمقيد، الذي يتعامل مع شبه القدرية الشعائرية المعممة باعتبارها شرطا واجب الوجوب لإسلامية المجتمع والفرد(2).

الشمولية الإستلابية هذه لا تكتمل حلقتها دون ربطها مباشرة بالسياسي. والطاعة كمفهومٍ أساس في البناء الإيديولوجي القرون وسطي لم تكن إبنة التأمل البحثي بقدر ما كانت وليدة أئمة الإستبداد (باستعارة تعبير الكواكبي). لقد كرست كتب النصيحة والآداب السلطانية دون استثناء الدعوة إلى الطاعة والخشوع والامتثال والصبر في تداخل بين الديني والدنيوي وتأكيد على السلطة المطلقة للخليفة. من الضروري الاستنجاد بالجيل الأول لتأصيل فكرة الإستبداد السياسي، حيث يزج بابن عباس برواية تقول: “السلطان عز الله في أرضه، فمن استخف به نابته نائبة، فلا يلومن إلا نفسه”، فحسب الماوردي، “فضّل الله، جل ذكره، الملوك على طبقات البشر، تفضيل البشر على سائر أنواع الخلق وأجناسه”، “الملك خليفة الله في بلاده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته”، الغزالي يذكر الناس بأن “إمام غشوم خير من فتنة تدوم”، ويلمح، كما لاحظ كمال عبد اللطيف، إلى أن الله اختار الملوك ليحفظوا العباد من اعتداء بعضهم على بعض، فإذا كانت وظيفة الأنبياء تتمثل في دعوتهم إلى معرفة السبيل إلى الله، فإن الملوك يقومون بمهمة الحماية من الشر المتأصل في نفوس البشر”(3)، الإمام النووي (مات 676 هـ) يكرر كالببغاء دعوى ابن مجاهد البصري في قبول فسق وظلم الخليفة بالقول: “أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق”.  لا يخرج ابن تيمية عن هذا النسق حين يقول: “استقر رأي أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ والأحاديث الصحيحة عن النبي، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم”(منهاج السنة، 2/241) وصولا للقول بأن ستين عاما من إمام جائر خير من عام بلا إمام؟ وتدخل في أدبيات الإمامية نصوصا مشابهة من نمط وصية للإمام موسى بن جعفر: “لا تذلوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلا فاسألوا الله بقاه، وإن كان جائرا فاسألوا الله إصلاحه، فإن صلاحكم في صلاح سلطانكم” (المظفر، عقائد الإمامية، ص 154)،  في تبنٍ جماعي لفقهاء السلاطين للقراءة الأنوشروانية للخلافة على حساب القراءة القرآنية والنضالات الفعلية ضد الجور والظلم والفساد، وذلك باسمها وبسند سننها (حرصا على بعد القداسة الضروري للعامة والخاصة).

لقد اغتالت الإيديولوجية الشمولية الإنسان الذي أنجبته الإنطلاقة الإسلامية التي غيرت خارطة العالم، ولم يعد من الممكن بالمواصفات المذكورة للرعية الطائعة والإنسان المستلب، النجاح في مواجهة انطلاقة إنسان التنوير الأوربي.

الإغتصاب الحضاري

كسر ولوج الرأسمالية الغربية العالمين العربي والإسلامي أحادية مصادر المعرفة في حقبة الهيمنة العقيدية، تلك الحقبة التي استوطنت مع تراجع الحضارة العربية الإسلامية وانتصار إيديولوجية الفرقة الحنبلية الناجية، التي كثفها ببلاغة سوداوية الإعتقاد القادري (1018 م-419 هـ)(4)، باعتبارها الطائفة الرسمية للحاكم وبطانته. لقد أفردنا لإشكالية البناء والتراجع الحضاري ثنائية التنوير(5)، وما يهمنا في هذه التوطئة، هو التذكير بأن الحضارة العربية الإسلامية إنما تمكنت من إعطاء خير نتاجها عبر الجدل الصراعي بين المعرفة الحكمية والمعرفة الدينية من جهة، وعبر النقاشات النقدية والصراعات الفكرية بين مختلف التعبيرات الإسلامية المحافظة والإصلاحية والراديكالية من جهة ثانية. وليس من قبيل الصدفة أن “هزيمة” الإصلاح الإسلامي القرون وسطي والفلسفة العربية الإسلامية قد ترافقا مع أفول الحضارة الناطقة بالعربية.

لم تكن الدعوات الأولى للعودة إلى تجربة السلف الصالح تحمل بذور الإنتساب إلى العصر، بل على العكس من ذلك، كانت الحركة الوهابية أنموذجا للمواجهة المباشرة مع الأزمنة الحديثة، الأمر الذي دفعت الحركات الإسلامية ومازالت ثمنه غاليا، فالحركة التي نجحت في توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، اعتمدت القواعد الشمولية للحنبلية في قراءة ابن تيمية لها، أي رفض التأمل الإجتهادي والإسلام كدين مدني لحساب بدعة الحاكمية والإسلام الشمولي كمنظومة إيديولوجية مغلقة. لذا لا يستغرب أن ترفض أفكار أولية للتقدم مثل فتح مدارس للفتيات أو كتبا تحمل صورا طبيعية لكائنات، في حين تم السماح لمجمعات أرامكو الأجنبية باستثمار الثروة الوطنية حتى لا نقول نهبها، وانتظرت الخمسينيات لقبول فكرة تعليم المرأة، وحاربت مطلب الإصلاحات السياسية التي عبرت عنها “رسالة إلى مواطن” لما عرف بالأمراء الأحرار، وقد رفضت مفهوم المواطنة الغربي ومفهوم الدستور أو توقيع اتفاقيات دولية باسم الإلتزام بالشريعة الإسلامية ولم تقبل بنظام أساسي هزيل، شكلا ومضمونا، حتى عام 1992.

يمكن القول أن تحالف آل شيخ وآل سعود تحت راية المؤسس عبد العزيز بن سعود، وعبر التعبئة الإيديولوجية للإخوان (1912-1930م)، استطاعت تصفية خصومها السياسيين بما في ذلك الهاشميين بالسيف والغلبة العسكرية، وتهميش أي دور سياسي أو ثقافي أو ديني لغير الحنابلة الوهابيين، سواء من مذهب أهل السنة، أو الشيعة الإثني عشرية والإسماعيلية. لقد خلقت التجربة الوهابية-السعودية جهازا دينيا للمحاسبة والرقابة هو “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” شكّل النواة العقائدية لشمولية نظام الحكم. ولم تلبث هذه الدعوة المحلية مع الهبة النفطية أن تحولت إلى سلاح داخلي يحمله الحاكم والمحكوم(6)، ومروج إيديولوجي للإنغلاق بمساعدة الاقتصاد المنجمي غير الإنتاجي وتحالف ضد الطبيعة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة من اتفاقيات الملك عبد العزيز والرئيس الأمريكي روزفلت إلى أحداث سبتمبر 2001. وعلينا انتظار الغيث من خارج جزيرة العرب، حيث بدأت مباعث النهضة تجمع بين مكتسبات العصر والأنموذج الراشدي في موقف متحفظ على الخلافة من بني أمية إلى بني عثمان.

بخلاف الإصلاح المسيحي الذي تركزت تعبيراته في القرن السادس عشر وبشكل خاص بين 1517 و1570 للميلاد، والذي تميز بصراع مباشر مع البابوية والفساد المالي والأخلاقي للكنيسة، يصعب الحديث عن جهاز ديني متبلور واجه رموز الإصلاح حتى في البيئة الشيعية الجعفرية في القرن التاسع عشر. فقد كان الإسلام دينا وخلافة يعيش أزمة فعلية كشف الغزو الأوربي مدى عمقها. وأعطاها هذا الغزو العنصر البشري القادر على الخوض في تحدٍ كهذا عبر ولادة المهن الحرة الجديدة وتكون فئة المثقفين والانتلجنسيا التقنية من لدن المؤسسات الغربية الغازية بمهنها الجديدة (محاماة، صحافة، جامعات، بحث، تعليم …) وتقسيم العمل الثقافي الذي حملته. وبهذا المعنى، كان البحث عن طريق للخلاص مشتركا بين مختلف الطاقات الذهنية، وكانت المشكلة باستمرار القدرة على إعادة سبك العلاقة بين المثقف والقرآن والمثقف والإسلام الرسمي والمثقف والمجتمع باعتبار هذه العلاقات ستكون بصلة مباشرة مع تصور الدولة ومؤسساتها والمواطنة وتعبيراتها النظرية والعملية.

لم يكن المثقف العربي المعاصر محصلة صراعات مجتمعية محلية وتحولات داخلية محضة، ورغم هذا فقد زعزع بمجرد وجوده المفاهيم التقليدية لأصول الحكم والعلاقة بين المثقف والسلطة من جهة، وجعل قضية تعدد السلطات، حتى لا نتحدث عن فصلها، من المعطيات المجتمعية الجديدة. وقد تعزز دور المثقف مع تكوين مراكز استقطاب جديدة  شكّل العمل النقابي ونشاط الجمعيات وولادة الأحزاب السياسية طلائعها الأساسية.

وسواء كانت متابعتنا لجمال الدين الأفغاني، محمد عبده أو عبد الرحمن الكواكبي (أول مطالب بتحديد التخوم بين الدين والدولة، والذي اغتاله الأمن العثماني)، فإن العودة إلى الإسلام الأول كانت تشكل نقطة انطلاق مشتركة مع إدراك ضرورة التجديد والإصلاح في الإسلام كشرط من شروط إحياء الدين والمجتمع. وكانت معارك الرأي للإصلاحيين مع السلفيين والدهريين سواء بسواء. ورغم تثمين الإصلاحيين الأوائل للأفكار الاشتراكية، إلا أنهم كانوا حازمين في نقد الفكر المادي والإلحادي، وفي هذا المجال، نلاحظ أن الحساسية الدينية العالية عنصرا مشتركا بين البروتستنتية والإصلاح الإسلامي  في مطلع القرن العشرين استمر مع شخصيات كبيرة من منتصف القرن مثل الشيخ مصطفى السباعي مثلا دون الغرق في وحل التكفير. ولعل الحوار النقدي بين الإصلاح الديني والحركة التقدمية العربية العلمانية الوليدة كان وراء غنى انطلاقة الثقافة العربية المعاصرة. فالنهضة، إذا أردنا بالفعل قراءة نتاجها بعمق، هي ابنة محاولة التجاوز النظري والعملي للمثقفين الجدد للصورة التي اصطلح عليها آباؤهم للخلافة والدين ونمط الحياة، سواء كان ذلك عبر الإصلاح الإسلامي أو التوفيق بين معطيات الحضارتين العربية والغربية أو بكل بساطة، عبر عقد القران عند اتجاه ثالث مع الحضارة الغربية باعتبارها الأرقى والأكثر تماسكا وتطورا وقوة. ومن الواضح أن الاتجاه الأقوى في هذه التيارات كان تيار الإصلاح الإسلامي الذي وجد جذوره في المجتمع ومادته البشرية عند الشبيبة وآفاقه في إعادة اللحمة بين الإسلام والعالم والمستقبل.

عندما نقول الإصلاح الإسلامي، لا نعني مدرسة أزهرية جديدة أو مذهبا فقهيا سادسا، بل نعني تلك المغامرة الفكرية التي خاض بها تيار واسع ومتعدد من المثقفين المسلمين أدرك أهمية العلاقة بين الدين والحياة وبحث في إحياء الاجتهاد والتجديد لتكون قراءة المثقف المسلم للمشكلات المعاصرة ليست فقط في مستوى التقدم البشري وإنما أيضا في معمعان الحركة الإبداعية فيه. ولعل أولى صرخات التمرد على الإيديولوجية الشمولية قد جاء من الدعوة إلى إعادة الإعتبار للعقل والاجتهاد والتجديد:

نقرأ للأمير عبد القادر الجزائري عام 1855 للميلاد (1271 للهجرة) في كتابه “ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” : “المتبوعون من الناس على قسمين: قسم عالم مسعد لنفسه ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل، لا بالتقليد، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل، لا بأن يقلدون. وقسم مهلك لنفسه ومهلك لغيره، وهو الذي قلد آباءه وأجداده فيما يعتقدون، ويستحسنون، وترك النظر بعقله، ودعا الناس لتقليده. والأعمى لا يصلح أن يقود العميان. وإذا كان تقليد الرجال مذموما، غير مرضٍ في الاعتقادات، فتقليد الكتب أولى وأحرى بالذم. وأن بهيمة تقاد، أفضل من مقلد ينقاد. وأن أقوال العلماء والمتدينين متضادة، متخالفة في الأكثر، واختيار واحد منها واتباعه بلا دليل باطل، لأنه ترجيح بلا مرجح، فيكون معارضا بمثله”.

استعادة هذا النص المبكر في كتابات القرن التاسع عشر الإصلاحية تبدو لنا في لحظات التخدير العام المسماة بالصحوة اليوم من الأهمية بمكان، ففي كل فترة اضطراب وتأزم في ثقافة الأمم وأوضاعها، يستعيد الرواد جملة أسئلة ضرورية،  في الدين كما في الفلسفة، وفي الإطار النظري كما في الإطار العملي، تتمركز في السؤال حول سقف التقليد وضرورات التجديد، القدرة على تتبع مفهوم الاستمرارية والإنقطاع في نظم التفكير ونظم الحياة، كذلك المقدرة على إبصار الذات بعين نقدية بناءة. ولا ينجو من هذا الإختبار شعب أو أمة أو معتقد، بل على العكس من ذلك، لعل هذه الأزمات هي التي تعطي القدرة على تشريح دقيق للواقع وتسمح بتبلور رؤى مختلفة قادرة على التجاوز. لذا لا يغيب موضوع التقليد والتجديد عن أي مصلح أو رمز للتنوير، ومن أكبر الأسئلة التي طرحت وتطرح عند تقييم أو تعريف أي عالم، سؤال يتعلق بفضاء التجديد في فكره وحجم الإبتكار في تصوراته والقدرة الحية لآرائه في الرد على تحديات عصره. رد ينهل من تاريخ الفكر ويتسلح من مستودع الأسلحة الذهنية الأحدث، لأن كلمة الحضارة، بالمعنى الثقافي، تعني استيطان القدرة على اعتبار غنى الثقافات البشرية ملكا لكل إنسان. هذه القدرة على اكتشاف الذات والآخر كوسيلة لإعادة تصور العالم جعلت الفكر اليوناني مرجعا لفكر التنوير الغربي، ولحظات النهوض الحضاري العربي الإسلامي في صلب محاولات التصدي لانحطاط العرب والمسلمين. وإن كانت هذه اللحظات ممكنة، فلتوفر عاملين أساسيين، الأول: هو اعتبار الحكمة ضالة كل إنسان ومن أي كان. ما يختصره الإمام الكاظم في وصية له بالقول: “لو وجدتم سراجاً يتوقّد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به، ولم يمنعكم منه ريح نتنه، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممّن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها”. والثاني، اعتبار الخلاف من مقومات التقدم وإباحة النطق بالرأي والرد عليه. وقد أحصيت في كتب “الرد” أكثر من ألف ومئتي عنوان لرسالة وكتاب، وأظن أنني لم أجمع إلا اليسير القليل من المكتبة العربية في نهضة المشرق قبل ألف عام.

ينتقد عبد الرحمن الكواكبي أئمة الإستبداد ويربط بين الإسلام والحرية والقدرة على مواجهة وقائع الحياة المعاصرة، نجده يصرّ على أن مشروعا كهذا غير ممكن التحقيق دون تجاوز المذهبية التي تأسر النص في سجنها. هذا الرأي نجده أيضا عند الإمام محمد عبده الذي يصرح دون مواربة  بأن الأساس في الاجتهاد هو “أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو بالتحريف إليها”. ويحمل الإمام عبده على أصحاب الاتباع والتقليد في تفسيره للآية “إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتبعوا (البقرة 166) معتبرا حكم الآية “يستغرق جميع المقلدين”.وفي خاطراته يؤكد جمال الدين الأفغاني على فضل التجديد والاجتهاد بالقول: “ولا ارتياب بأنه لو أفسح في أجل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعاشوا إلى اليوم لداموا مجدين مجتهدين”.

في أكثر من مناسبة أكد الأفغاني وعبده على إمكانية بل وضرورة إعادة تجربة الإصلاح الديني في الغرب ضمن قراءة إسلامية وانطلاقا من المعطيات الواقعية، بل ويصل الإمام عبده للقول: “إذا أردنا أن نلحق بركب الأمم المتقدمة فعلينا أن نقوم بإصلاح ديننا كما فعل الغربيون أنفسهم في إصلاح دينهم”. أما عبد الرحمن الكواكبي فيتجنب أية مقارنة وينطلق من الحاجة الشرقية الموضوعية للإصلاح: “ما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء المرائين الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلاء. فيجددون النظر في الدين، نظر من لا يحفل بغير الحق الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربه لا استمالة الناس إليه؛ وبذلك يعيدون النواقص المعطلة في الدين، ويهذبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادة على كل دين يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفف شقاء الاستبداد والاستعباد، المبصر بطرائق التعليم والتعلم الصحيحين؛ المهئ قيام التربية الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنسانا”.

يتفق المصلحون الإسلاميون على اختلاف مدارسهم على قبول مبدأ الحصاد الحضاري للمعارف كشرط أساسي لاغتناء الإنسان والأفكار والديانات. كذلك فهم يقرون بالأهمية الحيوية لعنصري الزمان والمكان في التصور الديني وأخيرا يجمعهم هاجس مشترك هو رفضهم مفهوم التوظيف الديماغوجي للدين.

وفيما عدا ذلك، غالبا ما نجد اتفاقا في المواقف دون توافق في التفسير لهذا الموقف. فقد أعطى الإمام عبده قاسم أمين التنقيحات الضرورية والدعم الأخلاقي لموقفه التاريخي من قضية تحرر المرأة، ولا شك بأن جرأة قاسم أمين لم تكن لتسمح للحركة الإسلامية السياسية بأن تكتشفه، ناهيكم عن تبني مواقفه المتقدمة. خاصة وهو يقول بصريح العبارة مودعا القرن التاسع عشر: “لا حاجة بنا إلى التطويل في شرح أمر صار معلوما عند الكل، وهو انحطاط الدين اليوم في جميع مظاهره حتى في العبادات. وإنما أردنا أن نبين أن انحطاط الدين تابع لانحطاط العقول، وأن العلة الأولى التي هي مصدر غيرها من العلل التي حالت بيننا وبين الترقي هي إهمال التربية في الرجال والنساء معا” (تحرير المرأة 1899).

اعتبر السنهوري إعادة النظر في تعريف الحدود من ضرورات تحديث القانون الجنائي في الإسلام.  ولم تكن الدولة في تصور الكواكبي دينية، وفي حين اعتبر الطاهر حداد مدنية الدولة أفضل تعبير عن إسلامها، توقف علي عبد الرازق مطولا عند فصل الدين عن الدولة وأوقف كما جرى مع منصور فهمي عن التفكير بدعوى التكفير. قراءة محمود محمد طه للعقوبات الجسدية تختلف عن قراءة العلايلي وإن اتفقا على سلامة النفس والجسد، كذلك لا تعتمد استنتاجات طه حول الإسلام والسلام نفس القواعد المنهجية التي اعتمدها محمد الحسيني الشيرازي في أعماله حول اللا عنف في الإسلام. ويصعب أن نجد الخطوط المنهجية التي تجمع جمال البنا مع الطاهر حداد رغم توافقهما في مسائل أساسية حول المرأة. في حين يشكل الدكتور عبد الله الحامد ثورة مفاهيمية بمعنى الكلمة، في تعامله مع حقوق الإنسان والمجتمع المدني والدولة الدستورية.

يتحدث الميرزا محمد سعيد النجفي النائيني، أحد المدفعين الأشاوس عن المشروطية (الدولة الدستورية)  في  “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”(1909)، عن قوة الاستبداد الديني يقول: “يعتبر علاج هذه القوة من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولا، ولاعتبارها جزء من أجزاء الدين ثانيا (…)، وقد أظهرها المنسلكون في زي الرياسة الروحانية بعنوان الديانة، وخدعوا الشعب الجهول لفرط جهالته وعدم خبرته بمقتضيات دينه بوجوب إطاعتهم، وعرفت أيضا أن هذه الإطاعة والإتباع الأعمى حيث لم تستند على حكم إلهي معدودة في مراتب الشرك بالذات الأحدية بنص الآية المباركة “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله..”.

في النقاشات الحادة في شبه الجزيرة الهندية حول الخلافات الفقهية، وضع أبو الأعلى المودودي الجمهور حكما في رأي العلماء بالقول: “ليس كل تعبير لأي حكم من أحكام الإسلام جاء به عالم من علماء المسلمين، ولا كل مسألة استخرجها إمام من أئمتهم بقياسه أو اجتهاده ولا كل فتوى أصدرها مجتهد من مجتهديهم على أساس الاستحسان، هي القانون في حد ذاتها، وإنما هي بمثابة الإقتراح؛ وهي لا تصير القانون إلا بأن ينعقد عليها إجماع الأمة أو يسلم بها الجمهور، أي أغلبية الأمة”.  كان بإمكان المودودي أن يفتح باب الحريات بعد تسليمه برأي الجمهور في رأي العلماء، إلا أنه عوضا عن أن يباشر القطيعة مع الإيديولوجية الشمولية، التي كانت في أوجها بالتعبيرين الستاليني والهتلري آنذاك، اعتبرها من صلب الإسلام نفسه، متبنيا نفس الميراث الفقهي الذي جعل من الأمة رهينة محبسي الطاعة الدينية والطاعة الدنيوية للنهوض بها من جديد!

على العكس من التوجه الشمولي عند إسلاميي صدمة سقوط الخلافة، يقف الطاهر حداد (1899-1935م)  في مواجهة الشمولية من أي مرجع كانت، ويكتب في 1930 مدافعا عن مدنية الإسلام التي سبقه لتصورها محمد عبده: “إن الوظائف في الإسلام ليست دينية كما يظن الجاهلون بالأمر، فإن الدين روح لا وظيفة وإنما هي تشريعية لتوفية مصالح الدولة في الإسلام وهي تتطور حسب تطور تلك المصالح نفيا وإثباتا. ونظرة إلى التاريخ الإسلامي ترينا كيف حدثت وظائف في حياة الرسول وأخرى في حياة الخلفاء الأربعة، وأخرى في الدول الإسلامية بعدهم بحسب ما اقتضته الحاجة المتجددة ولو كانت دينية لجاءت كاملة من أول يوم ولما أمكن للمسلمين حذف وظائف وإقامة أخرى مكانها. ونحن المسلمون نعرف كيف نميز الصلاة عن عقد الزواج مثلا فالأولى روح والثانية وظيفة لضمان الحقوق وليست إلا عملا مدنيا لا واجب في انعقاده غير الرضى والقبول من دون غبن ومع قطع النظر عن أي زمن وأي مكان وأي هيئة.. أما شيوخنا فلا أقدر أن أحدد مواقفهم المختلفة وكم هم بعداء في سلوكهم معي عن فهم الإسلام وروح الشريعة. ولا أدري كيف ساغ لهم أن يضعوا إمضاءاتهم في تكفير مسلم لأنه أثبت لنفسه حق النظر في الشريعة وفهمها بما تقتضيه حاجة المسلمين وروح العصر مهما كان مخطئا في اجتهاده ولا شك أنهم مجبورون بحكمهم هذا على بناء النتائج اللازمة عليه فيحكمون أيضا بمنع هذا الكافر من ميراث أهله، وفصله أو منعه من الزواج وإخراجه من جامعة الإسلام حيا أو ميتا وبذلك قتله اجتماعيا كما يشتهون. (…) إنني مهما اجتهد أن احترم وأجل غيري فلا يمكن أن أعتقد أن عائلات ورثت مقاعدها إدخال وإخراج من تشاء من الإسلام بل ولا اعتقد لأحد كائنا من كان حقا مثل هذا وإنما يخرج المسلم من دينه متى شاء هو أن يخرج فيعلن ذلك للناس.(7)

إن التكفير لا يمكن أن يعد جريمة والعصور المظلمة التي كانت تعتبر ذلك قد انطوت بما فيها.. (8)

يعود للشيخ العلايلي (1914-1997) مفهوم “الشريعة العملية” الذي دافع عنه في وجه المفهوم المتزمت والضيق للإسلام. وهذه الشريعة كما يقول، هي “بمنطق النبي محمد ومنطق العلم في معرض تكيف وتجدد دائمين”(9). ويقول في شرح مراده: “هذه الشريعة العملية التي لا يخالجني ريب، في أنها القمينة برمّ ما يفري عالم اليوم، من سقم عياء ويستبد به من حمى برخاء… ينعكس فعلها في الفكر والمجتمع ومناهج السلوك، إذا ظلت أسيرة قوالب جامدة. وهذا ما حاذره المبعوث بها في قوله الشريف: إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد دينها. والحديث الكريم هذا، هو في نظري دستور كامل لحركية الشريعة و “ديناميتها” في مجال صيرورة الزمن، فهي تجدد دائم يدوس أصنام الصيغ في مسار طويل”(10).

وقد خاض العلايلي معركة لا هوادة فيها ضد الطائفية وهو القائل “إن بقاء الطائفية هو بقاء الخيانة، وبالتالي أقول أن بقاء قانون يحميها إنما يعني بقاء الخيانة بقانون، لقد آن للمسؤولين أن ينتزعوا صفة التكريس عن الطائفية.”. وجدير بالذكر أن هذا الموقف الحازم من الطائفية يشاطره إياه عدد هام من رموز الفكر الإسلامي كالسباعي والعطار والعوا والخياط.

كالطاهر حداد، دافع العلايلي عن كرامة النفس والجسد واستنكر بشدة التعذيب والظلم ودافع عن الحقوق الفردية والجماعية للإنسان وقد تميز برفضه القاطع للعقوبات الجسدية حيث يقول إن قطع يدي السارق “يحّول المجتمع إلى مجموعة مشوهين هذا مقطوع اليد والآخر الرجل والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف” وهو لا ينسجم مع روح القرآن الذي جعل القصاص صيانة للحياة وإشاعة للأمن العام. فالعقوبات ليست مقصودة بأعيانها حرفيا بل بغاياتها. أما قضية الرجم فيختصرها بجملة واحدة: “لا رجم في الإسلام”.

أعطت حركة الإخوان المسلمين بحاثّة كثر، ولكن برأينا، قلة منهم تمكنت من الإرتقاء إلى جرأة الشيخ مصطفى السباعي (1915-1964م)، مؤسس الحركة في سورية وأحد أهم الشخصيات السورية في القرن العشرين. يرد الدكتور السباعي قبل خمسين عاما على أصحاب الشعارات البسيطة والفارغة المحتوى عندما يقول: بأن ثمة فئة تؤمن بأن في الإسلام حل لمشكلات الأمة والمجتمع، “لكنها لا تعرف كيف يحلها، وتظن أن من الممكن تطبيق الإسلام بنفس الأشكال التي طبقت في عصر الخلفاء الراشدين”، وصولا للقول: “هؤلاء هم أكثر فقهاء الشريعة وعلمائها، وهم بعيدون كل البعد عن تفهم مشكلات المجتمع الإسلامي الحديث، ويقفون منها دائما موقفا سلبيا، وكل ما يقدمونه للناس قولهم: إن الرجوع إلى الإسلام هو الذي ينقذنا من مشكلاتنا.. ولكن كيف؟ وإلى أي مدى؟ وما هو رأي الإسلام في المشكلات التي لم يعرفها السلف في عصور الخلفاء الراشدين فما بعدهم؟” (11).. “إنهم يحاربون كل اتجاه لحل هذه المشكلات مستمسكين بنصوص للفقهاء أو لبعضهم حين جمد العقل الإسلامي، ورانت البدع على المجتمع الإسلامي، ونسيت مقاصد التشريع.. “إن الشريعة عندهم هي هذه (النصوص) والآراء الفقهية التي وضعت في عصور متأخرة، والتي لا يتلاءم كثير منها مع مشكلاتنا الحاضرة، ولا ينسجم مع روح الشريعة السمحة التي جاءت بالعدل والحق وسعادة الناس في دنياهم وأخراهم” (12).

لم يكن رجل السياسة أقل أهمية من رجل الفكر، فالداعي لأول جبهة اشتراكية إسلامية هو القائل: “إن الإخوان المسلمين لن يتساهلوا أبد في محاربة كل حركة تقضي على الحكم الشعبي الجمهوري الدستوري في سورية”، (13) وهو مؤلف كتاب “إشتراكية الإسلام”، الذي حبب كاتب هذه الأسطر بالإشتراكية، وهو المدافع عن البرلمانية الدستورية والتعددية السياسية والتداول على السلطة منذ الإستقلال. لقد أدرك السباعي مبكرا أهمية المنظمات والنوادي والمعاهد غير الحكومية، فتتبعها في التاريخ الإسلامي البعيد والقريب، وتعرف عليها في التجربة الأوربية، واعتبر قوتها شرطا أساسيا من قوة الأمة، فأسس ودعا لتأسيس الكثير منها، وخصص لها أكثر من دراسة وفصل في كتاب.

يلخص كتاب “الرسالة الثانية من الإسلام” فكر محمود محمد طه (1909-1985)الذي يعتبر أن رسالة الأصول تقوم على القيم الإيمانية الكبرى والبعد العالمي الإنساني للرسالة المكية الأولى. أما رسالة الفروع فما هي إلا أنموذج من نماذج تطبيقها في زمان ومكان محددين (المدينة). ويقول في هذا الكتاب:  “من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح بكل تفاصيلها، للتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلا، وإنما هو يتحدث عن نفسه فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادرا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع وفي مضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفذت وتوقفت عند حد تنظيم المجتمع السابع، والمجتمعات التي تليه مما هي مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم.. ومع ذلك فإن المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة”.(14)

وفي الرسالة الثانية تلخيص لأهم الأفكار الثورية لمحمود محمد طه حيث لا يعتبر الرق أصلا في الإسلام، ولا الرأسمالية ويقول في قضية المرأة : “عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلا في الإسلام والأصل المساواة التامة بين الرجال والنساء”(15) و “المجتمع المنعزل رجاله عن نسائه ليس أصلا في الإسلام” و”تعدد الزوجات ليس أصلا في الإسلام” والحجاب ليس أصلا في الإسلام والأصل في الإسلام السفور”(16). اليوم، وبعد ربع قرن على إعدامه، ورغم المد المحافظ الطاغي، نجد أشخاصا مثل الدكتور حسن الترابي يتبنون العديد من إطروحات طه.

لن نستعرض في هذه المحاضرة كل رموز الفكر الإسلامي الذين دافعوا عن فكرة الدولة التعاقدية الدستورية، والحقوق والحريات الأساسية والتجديد الديني. خاصة وأن منهم من مازال يناضل من أجل هذه الأفكار من جهة، ومن جهة أخرى لأننا في حقبة ملآى بالمفاجآت وحبلى بالمجاهيل. لقد سعت هذه الورقة لتوضيح الدور السلبي والمعيق لحركة التحرر والإنعتاق الناجم عن اجترار حقبة غاب العرب والمسلمين فيها عن ساحة الفعل التاريخي، سادها ما أسميناه بالإسلام الشمولي، وغاب عنها التجديد والاجتهاد.

الموقف الدوغمائي للكتّاب الإسلاميين من العلمانية باختلاف تعبيراتها وتعاريفها بالتأكيد وراء ما يمكن تسميته “الشمولية الإسلامية” الباطنة أو المستترة. فأي نهج شمولي في التفكير لا يمكن إلا أن يرى في أي نظام من خارج منظومته، محاولة اعتداء على الكلّ الداخلي المرصوص البنيان. ولعلنا عشنا مرحلة خاصة مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة بانتخابات ديمقراطية في بلد علماني (تركيا). نعم، في حين يتنصل أهم المفكرين الإسلاميين من تجارب وقعت في أفغانستان والسودان وإيران والصومال والعراق وباكستان، نجد أن الأنموذج الذي لا يحمّر الوجه خجلا منه هو وصول أردغان للسلطة في دولة علمانية؟؟

من هنا ضرورة الوقوف عند ما يمكن تسميته عناصر الإعاقة والتثبيط في الخطاب الإسلامي. هذه العناصر التي تجعل المنطقة الإسلامية الوحيدة في العالم اليوم التي تدافع عن أقلام تضع على بساط الرفض، لا بساط النقد، الإنجازات الكبرى والعطاء الفكري والقانوني المتجدد لحركة حقوق الإنسان والحركة المدنية العالمية. ولا شك، بأن تناول هذا الموضوع، يخرجنا من عملية البحث بالسراج والفتيل عن جمل تدعم حقوق الإنسان هنا أو هناك، في حين ثمة جبهة إيديولوجية متماسكة تسعى لحصر هذه الحقوق في مفهوم ذرائعي لا يتجاوز الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج القضاء والاختطاف القسري أو اللا إرادي، أي وسائل الدفاع عن الضحايا الإسلاميين في المنظومة التسلطية السائدة في العالم الإسلامي. دون تقديم أي تنازل في قضاي الحقوق والحريات الأساسية، باعتبارها تقضم من بنيان البيت الإيديولوجي الشمولي.

يمكن اعتبار أبو الأعلى المودودي الأب المعاصر للإيديولوجية الشمولية في الفكر الإسلامي السياسي، فقد شن حربا لا هوادة فيها على الديمقراطية واعتبر حكم الشعب بالشعب وللشعب تعبيرا عن “حاكمية الجماهير وتأليه الإنسان”. اعتبر المودودي الحاكمية الإلهية وحدها مرجعا سياسيا مقبولا لأنموذج الحكم، ولم يخف إعادة تصور الأنموذج الستاليني للحزب الواحد حرفيا عندما وصف الدولة الإسلامية بالقول: “الدولة دولة حزب خاص مؤمن بعقيدة خاصة وفكرة مختصة به.. وكل إنسان يقبل بالإسلام يصلح أن يكون عضوا في الحزب الذي أسس بنيانه لتسيير دفة هذه الدولة، وأما من لم يقبله، فلا يسمح له بالتدخل في شؤون الدولة الدولة أبدا وله أن يعيش في حدود الدولة كأهل الذمة”(17)

لا يشاطر حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين المودودي نظرته هذه، بل يتبنى موقفا واضحا من الحكم البرلماني بالقول: “يقول علماء الفقه الدستوري إن النظام النيابي يقوم على مسؤولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها… ليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الإعتبار ليس بعيدا عن النظام الإسلامي ولا غريبا عنه. وبهذا الإعتبار يمكن أيضا أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام” (18)، وعلينا انتظار سيد قطب لولوج نظرية الحاكمية والإيديولوجية الشمولية في الفكر الإخواني. حيث يقيم الجار الفاصل بين الحاكمية الإلهية والحاكمية البشرية باعتبارهما بالضرورة أنموذجان متعارضان تماما، يقول في ظلال القرآن:  “إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية، فالذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية، ويستخدم خصائصها، فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله”. يؤكد سيد قطب في رباعيته الأخيرة (هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، نحو مجتمعي إسلامي ومعالم في الطريق) على هذه القطيعة المعرفية والسياسية القائمة على الإستقلال الكامل للأنموذج الطوباوي المقترح عن المجتمع الحقيقي والدين الواقعي والقراءات الإسلامية المختلفة.

لم يطور منظرو الحركة في مصر مفهوما متقدما للمواطنة على عكس الكتابات المبكرة لمصطفى السباعي في سورية حول الموضوع(19)، ويمكن القول أن أطروحات عبد القادر عودة في القاون الجنائي في الإسلام لا تتعدى تعريفا أمينا بآراء الفقهاء الأربعة في الموضوع. وعلينا انتظار جيل جديد من المفكرين الإسلاميين المستقلين مثل الدكتور محمد سعيد العوا (في قضايا تعريف الجنسية واستقلال القضاء والحريات الأساسية) والدكتور محمد هيثم الخياط (المرأة، الحرية والعلوم التطبيقية..(20) وطارق رمضان (العقوبات الجسدية والنسبية في النص والتأويل ومركزية الزمان والمكان في النظرية والتطبيق). وللأسف لم تستفد الحركة الإسلامية من كتابات نصر حامد أبو زيد النقدية باتخاذها موقفا متصلبا حينا وتكفيريا أحيانا أخرى منه.

إن زعزعة بناء العالم الجديد لكل الإيديولوجيات لا تمنع من استمرار مقاومات حادة لفكرة حقوق الإنسان باعتبارها نتاج غربي يتعارض مع الإسلام ولا يستع المجال لتعداد كل الأقلام والكتب المستشرسة ضد الديمقراطية والحقوق الإنسانية، وليس ثمة أدنى شك، بأن الحرب الديماغوجية التي أطلقتها إدارة بوش-شيني على ما أسمته الإسلام الراديكالي، شكل خدمة كبيرة للفكر الشمولي الذي عوّض منطقه التسلطي المبطن بعذرية المقاوم للعدوان الأمريكي. واستثمر الفرصة للهجوم على الديمقراطية والحريات الأساسية باعتبارها بضاعة الغازي والمحتل. وفي بيئة ملوثة كهذه، تشكل حوانيت السفارات لحقوق الإنسان العدو الأكبر لهذه الحقوق في ذهن الإنسان العادي، فكيف يمكن الدفاع عن الحقوق الإنسانية وقبول التمويل من السفارة الأمريكية، هل بالإمكان استقبال كولن باول وكونداليزا رايس وقبول مساعدات حكومية غربية ثم الدفاع عن الكرامة الإنسانية؟ لا شك بأن هذا السرطان المعشعش في بعض أوساط حقوق الإنسان في القاهرة وغيرها، يعود على حركة حقوق الإنسان بضرر لا يقل عن كتابات محمد شاكر الشريف أو عبد المنعم مصطفى حليمة ومحمد محمد حسين أو محمد مسلم اليوسف المعادية للديمقراطية والحريات.

عندما نتحدث في أوساطنا الحقوقية، نطرح السؤال باستمرار، لماذا تزداد انتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا رغم ازدياد وسائل الحماية ومواثيق الدفاع عن الأفراد والجماعات؟ ولا شك بأن أوساط الفكر الإسلامي المستنير تطرح السؤال باستمرار: لماذا لم تنجح الأصوات الإسلامية التنويرية في خلق تيار إصلاح مجدد قادر على تغيير موازين القوى وإضعاف التصورات الشمولية الإستبدادية في الدين والمجتمع؟ يحاول الأستاذ راشد الغنوشي الرد على هذا السؤال بالقول: “مطلوب التجديد لا يزال بعيدا ما دام تعثر المسلم لا يزال قائما في تدبيره لشؤون بيئته وعصره، وآية ذلك تعثر مشاريع التجديد وارتباكها إزاء ممارسة تجربة الحكم لمّا آل إليها الأمر، سواء أكان ذلك في أفغانستان على يد المجاهدين أم كان في السودان أم في إيران أم في الصومال أو في العراق.. حيث كان عجز الإسلاميين فاضحا ارتكاسا في الطائفية والعشائرية والتحالف مع الاحتلال واستدعاء فكر الخوارج والعجز عن إرساء نظام سياسي يستوعب كل التكوينات السياسية والدينية والعرقية، بما لا يمثل شهادة للشعار الذي ترفعه الحركة الإسلامية أن الإسلام هو الحل، بل يمكن لخصومها أن يشككوا في ذلك رافعين شعار “العلمانية هي الحل”، وهو ما أبرزته الانتخابات العراقية الأخيرة من تفوق للقائمة العراقية العلمانية باعتبارها القائمة الوحيدة التي جمعت مكونات عراقية متنوعة سنية وشيعية”(21).

لا شك بأن هذا التشخيص يضع الأصبع على جرح مؤلم، يتقاسم الوجع فيه، أصحاب الهزائم المبكرة والمرارة العميقة التي نجمت عن إخفاق الدولة الوطنية بعد الكولونيالية في معارك النهضة والنهوض، بالمعاني الإجتماعية والثقافية والعلمية والاقتصادية. ولا شك، بأن هذا الإخفاق قد انعكس مباشرة على جيل كامل من الديمقراطيين العلمانيين المبعثرين حكما، وكوادر إصلاحية إسلامية تعيش أوضاعا غير عادية لنمو أية حركة إصلاح ثقافي وأخلاقي بعيدة الأفق. إن ما يحدث من استبعاد لقطبي التغيير الأساسيين في حقبتنا،  المصلحون الإسلاميون والعلمانيون الديمقراطيون، يعزز كل أشكال الإنطواء المجتمعي والإنغلاق الإيديولوجي أي عنصري تعزيز الدولة الأمنية على حساب الدولة المدنية. وكما هو بديهي، لا يمكن للأفكار الأكثر خصوبة أن تثمر في أرض سبخة. من هنا أهمية الرابط الوجودي بين المقاومة المدنية الحقوقية وكلا من التيارين الأساس في عملية التغيير الديمقراطي. ولا شك، بأن ثمة أسئلة تتجاوز مجرد القبول بحتمية المسار الذي يعطي الغلبة فكرة رفض الآخر والإستئصال السياسي والمجتمعي لفكرة التعدد. أول هذه الأسئلة هل ثمة مراجعات فكرية مركزية تخرج من الإيديولوجية الشمولية العاجزة، برأينا، عن تحقيق شروط النهوض الفكري المجدد؟ ألم يتحول كل طليعي في الحركة الإسلامية سواء اتخذ موقفا متقدما من العقوبات الجسدية أو حقوق المرأة والطفل، أو خاض في مفهوم المواطنة والمقاومة المدنية والطابع البشري للتكوين السياسي للدولة (أي غياب القدسية عن البرنامج السياسي للتنظيم الإسلامي)، ألم يتحول المجددون إلى محاربين معزولين بسيوف خشبية أحيانا، خوفا من تهم المتطرفين والسلفيين التقليديين بالخروج عن شرع الله؟ ألم يتم السكوت عن النكوص المجتمعي المرافق للتدين السلبي الذي استبدل المتنفذ الذي أنجبته المنظومة التسلطية في الدولة والمجتمع، بالمرجع أو الشيخ أو الشيخة، وبالتالي شارك في عملية التراجع الحضاري والمدني وقتل استقلال الأشخاص وحقهم في المبادرة والفعل الحر،  باسم طاعة ولي الأمر والحفاظ على الهوية والخوف على الذات الجماعية من الغزو الخارجي ؟  ألم تشارك أهم الأحزاب الإسلامية في تسطيح الوعي وتفتيت القدرة على رصد المعارك الأساسية والمعارك الجانبية بحيث صار بإمكان متطرف أوربي من الدرجة الثامنة قادر على تعبئة جماهير مليونية متدينة في حين لم يكن بالإمكان تعبئة هذه الجماهير نفسها في مناهضة تهويد القدس أو معركة رفع الحصار عن غزة، أو تحقيق أية تعبئة مدنية واسعة تذكر في مواجهة جرائم الإستعباد الخارجي والإستبداد الداخلي، الأمر الذي سمح للتطرف بالظهور كمدافع عن شرف الأمة ودينها وحماها؟ ألم يكن التطرف العنيف المستفيد الأول من ديماغوجية الخطاب الإيديولوجي القائم على جمل تعبوية ليس بالإمكان ترجمتها في أية عملية تحول مجتمعي جدير بالتسمية؟

لقد أدت عملية السقوط الآلي في فكرة تطورية ساذجة تقول بأن المجتمع العربي غدا من المفترض أن يكون كالمجتمع الأوربي اليوم (والتي كانت قمة الإستسلام والترويج لها عند طه حسين في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” الذي يستحق أكثر عنوان “استلاب الثقافة في مصر”!) إلى ردود فعل تبسيطية ترد على “مكائد الشر الغربي”، ومع تراجع الإستعمار المباشر وفشل التبشير المسيحي، أصبحت شيطنة العلمانية التعبير الأكثر وضوحا لهذه المواجهة مع الغرب. وفي الجانب الآخر، ومع دخول المكونات البشرية المسلمة لأوربة وغياب العدو الشيوعي وأحداث 11 سبتمبر 2001 تجمعت العناصر الضرورية لأسلمة الشر، بشكل يخلق مواجهة مباشرة بين جسمين يقدمان لنا باعتبارهما متماسكين منسجمين ومتعارضين. الأمر الذي وضع حجابا سميكا على أسئلة جوهرية تتعلق بتحديد طبيعة وشكل دولة ما بعد الخلافة، أي إمكانية الإستفادة العقلانية من تجارب البشر المتراكمة على الأقل في القرون الأربعة الأخيرة، والتي أعطت الدولة الحديثة بعجرها وبجرها، كأمثلة كوكبية وليس فقط غربية، وجعلت العلوم السياسية مكتسبا عالميا وقضية العلمانية إشكالية مركزية في تحديد علاقة الدولة بالمقدس. ولا شك بأن الفكر الإسلامي السياسي الأصولي سيبقى متأزما وقاصرا مادام سقفه النظري والعملي غير متحرر من القراءة التاريخية لموضوعة الدولة ومازال غير قادر على تفكيك أسطورة الخلافة لإنعاش الإبداع السياسي في مواجهة الترقيعات والمراجعات الجزئية التي نشهدها منذ إعلان أتاتورك الجمهورية التركية على جثمان الخلافة العثمانية.

لا شك بأن الخروج من الخطاب التعبوي إلى الخطاب العقلاني يتطلب موقفا واضحا من التصور التقليدي للدولة الإسلامية والإيديولوجية الشمولية، هذه الإيديولوجية التي تعتقد بأنها الحق والخلاص في وقت لا تملك فيه، كغيرها من مكونات الخارطة السياسية والفكرية للأسف، لا طوق النجاة، ولا الوسائل الضرورية للخروج من حالة الإستعصاء العام السائدة.

1-     نشر هذا المقطع في مجلة النقطة العدد 2/3 حزيران/ يونيو 1983 هيثم مناع، الهيمنة العقيدية. وأعيد في كتاب تحديات التنوير، منشورات الجمل 1991. ومن المؤسف أن الأمانة العلمية قد خانت كل من اقتبس من هذه الدراسة ودراستنا الصادرة في ديسمبر 1983 : “توتاليتارية: إسهام في نقد الإيديولوجيا الإسلامية” مقاطع طويلة أحيانا أو أعاد صياغتها بشكل مختلف في التسعينيات.

2-     هيثم مناع، توتاليتارية، مجلة النقطة، العدد الرابع، 5/12/1983. أعيد نشره في كراس مستقل ثم في كتاب “تحديات التنوير”. من الضروري التنويه إلى محاور التقاطع مع الفقيد نصر حامد أبو زيد، الذي يعود له الفضل في رجع الخطاب الإيديولوجي إلى الشافعي الذي عاش بين 150 و204 هجري، يعتبر أبو زيد الإمام الشافعي مؤسسا في مجال الفقه والشريعة والأشعري في مجال العقيدة والغزالي في الفكر والفلسفة للإيديولوجية الوسطية، وقد أوضح في 1992 عناصر التكون الإيديولوجي الأولى منذ الشافعي، والتأسيس لاعتبار معطياته وقواعده الفقهية حقائق عقلية حضارية ثابتة وراسخة عابرة للزمان، موضحا ضرورة نزع القداسة عن هذه المدرسة كونها كغيرها من الإتجاهات العقائدية وليدة أسباب تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية سادت ثم بادت. أنظر: نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، سينا للنشر، القاهرة، 1992.

3-     كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد، دار الطليعة، بيروت، 1999، ص 116، لن ندخل في جدل التحقيب التاريخي لنصوص الإستبداد السياسي في التراث الإسلامي، كون موضوعنا الأساس، هيمنة هذا النمط على المدارس الفقهية التي لم تنجح الحركة الإسلامية السياسية المعاصرة بعد، في مواجهتها بالجرأة الضرورية لتحقيق القطيعة مع المنهج التسلطي للحكم. أنظر من القراءات السلفية الناقدة لهذه السيرورة الدكتور حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، بيروت 2004،  حيث يوضح التحول في قضية جور الخليفة من قضية خلافية اجتهادية إلى قضية إجماعية قطعية (ص165).

4-     أنظر مادة: الإعتقاد القادري، الإمعان في حقوق الإنسان، الجزء الأول، ص48.

5-     في إشارة لكتابي: جدل التنوير وتحديات التنوير للمؤلف.

6-     أنظر مقالتنا : إبن تيمية في خدمة القامع والمقموع، مجلة سؤال، عدد خاص عن الإسلامية اليوم،العدد الخامس، نيسان/إبريل 1985،  ص 91     (بالفرنسية)، أهديت لناصر السعيد المعارض السعودي المختطف.

7-     النص الكامل للرسالة منشور في كتاب محمد المي، الحداد وفكر الاختلاف، سلسلة أقواس، 1999 ص 26-30.

8-     نفس المصدر: محمد المي، الحداد وفكر الاختلاف، سلسلة أقواس، 1999، تونس، ص 30.

9-     عبد الله العلايلي، أين الخطأ، تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد،  الطبعة الثانية، 1992 (الأولى، دار العلم للملايين 1978)، دار الجديد، بيروت، ص 16.

10- نفس المصدر، ص16.

11- عدنان محمد زرزور، مصطفى السباعي، الداعية المجاهد والفقيه المجدد، دار القلم، دمشق، طبعة ثانية، ص 179-180.

12-نفس المصدر، 180.

13-نفس المصدر، 198.

14-اعتمدنا في جملة الاستشهادات من كتاب “الرسالة الثانية من الإسلام” على الطبعة الخاصة التي أصدرتها المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، يناير 1996.

15- الرسالة الثانية، ص 104.

16- نفس المصدر، على التوالي ص 109، 105، 108.

17-أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه، طبعة ثالثة، دار الفكر، 1967، ص 47

18-مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، المؤسسة الإسلامية للطباعة والنشر، بيروت، طبعة ثالثة، 1983،ص 321-322

19- حافظ الأستاذ عصام االعطار على هذه التقاليد المتقدمة، في حين شكلت الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ردة كاملة عنها فيما يعبر عنه كتاب “الإسلام” لسعيد حوا بشكل جلي، وعلينا انتظار قرابة العقدين لقراءة منهج السباعي من جديد عند عدد من الكتّاب الإسلاميين السوريين.

20-أنظر للمثل لا للحصر، محمد هيثم الخياط، المرأة المسلمة وقضايا العصر، دار الفكر، دمشق، 2008. لا يمكنني المرور على موضوع المرأة دون الإشارة للصديقة الباحثة هبة رؤوف عزت ومبادراتها التجديدية.

21- راشد الغنوشي، هل حقق التجديد الإسلامي أهدافه، المجتمع، 16/10/2010.