“مشرق” التعايش وجريمة المذهبية والطائفية

DSC01095تحتاج منطقتنا حقيقةً إلى ندوات ومؤتمرات ونشاطات يومية تتعلق بإدانة المذهبية وتجريم الطائفية ومعهما كل شئ آخر يعمل على تفتيت المنطقة لكيانات متناحرة على أسس دينية أو عرقية. لقد شاء القدر أن نعيش في أصعب المراحل التاريخية التي تمر على منطقتنا بعواصف العنف الديني والمذهبي والعرقي، وهذا ما يتطلب منا جميعاً أن نكون على مقدار هذه المسؤولية التاريخية.

لم يسبق وأن شهدت منطقتنا حروباً إلغائية بهذا الشكل الذي تشهده الآن، فعلى مدار قرون طويلة كانت منطقة المشرق (ولا أقول الشرق الأوسط) هي المنطقة الوحيدة في العالم التي يتعايش على أرضها أديان ومذاهب وأعراق متعددة، وقد كان لهذه الصفة دورها الهام في “نزع” صفة العنصرية عن الإغريق، وفي تلطيف مثيلتها عند الرومان. فبعد إنهيار دولة-المدينة اليونانية وقيام التوسع الإمبراطوري على يد الإسكندر المقدوني بحيث لم يعد الحكم يضم فقط شعباً إغريقياً يعتقد بتفوقه ودونية غيره. حيث ضمت الإمبراطورية شعوب مشرقنا بأرامييه وعبرييه وكرده وفرسه إلخ. كان لابد من فلسفة تعبر عن روح هذا العصر الإمبراطوري وعالميته وهذا مالم يستطعه أي فيلسوف يوناني، بما في ذلك أرسطو معلم الإسكندر، لأنهم كانوا أسرى ثقافتهم العنصرية.. في حين وجد الإسكندر وغيره من ملوك الحضارة الهلنستية وبعدها الرومانية ضالتهم بزينون السوري- الفينيقي الذي التقت أفكاره وأفكار مدرسته الرواقية التي أسسها مع متطلبات الحكم الجديد لناحية المساواة وحق المواطنة لكل الشعوب غير اليونانية ضمن الحضارة الهلنستية وهذا ما صار أيضاً في عصر الدولة الرومانية.

نحن أبناء منطقة اشتهرت على مر التاريخ بهذه النزعة نحو المواطنة وعدم وجود تمييز أو نزعة تفوق لدى شعوبها.. فما الذي يحدث الآن؟ ولماذا يراد لنا أن نعود القهقرى في حين أن شعوباً كالشعوب الأوربية لم تعتد على هذه الفكرة عبر تاريخها ونجدها اليوم قد تبنتها وتبحث عن أية أقلية في العالم كي تجلبها إلى أرضها وتعطيها صفة المواطنة لتفاخر بذلك على الأمم.. علماً أن هذا أمر مصطنع بينما نحن في منطقتنا نعيش التنوع الطبيعي ورغم ذلك فإن حروب اليوم تتجه بنا لحال هو كأحوال الأمم الأوربية قبل قرن من الزمن.

ما يؤلم في أحوال منطقتنا اليوم، أن كثير من فئة المثقفين والعلمانيين و”السياسيين الجدد” قد انخرطوا للأسف في التنظير للإصطفافات ماقبل الوطنية وساهموا في زعزعة ثقة الموجات الإحتجاجية الأولى بالدولة المدنية الديمقراطية فكان من الصادم أن يكون شعار برهان غليون، صاحب أول بيان عن ضرورة الديمقراطية في منطقتنا، هو: يا أحفاد محمد.. يا أيها السنة. وكان صادماً أن يتحول مثقفون إسماعيليون ودروز ومسيحيون إلى أبواق للطائفية على قاعدة الترويج للديمقراطية-التوافقية أو (اللبننة) إن صح التعبير. والطريف في الموضوع أن هؤلاء المثقفين والسياسيين ليسوا على طيب علاقة بالدين والتدين، بل هم في الغالب من خلفية علمانية لا بل إن بعضهم لا يخفي إلحاده. لكن، وكأي تجمع مصالح انتهازية وقصيرة النظر، باتوا يستعملون الخطاب الطائفي باعتباره السلعة المطلوب ترويجها هذه الأيام، من أجل تعزيز رأي عام يعتقد بأن الصراع المذهبي فوق المصالح الطبقية والجيو سياسية وهو المحرك الأول للتاريخ والجغرافيا والغرائز. ولا غرابة أن بعضهم كان قبل نصف قرن بيدقا في رقعة النظرة القومية الشوفينية. ألم يتحول ماركسيون لينينيون أشاوس وقوميون عرب خلّص إلى أشباه رجال دين حينا وتبع لإمارات وممالك الصمت، ليست قدوة هؤلاء محمد عبدو أو الكواكبي بل العدناني والجولاني والظواهري. فما الذي يجري لنشهد تهافت التهافت هذا في زمن الحروب القذرة والقتال بالوكالة والموت بالأصالة؟

أعتز بالمناطق المضيئة في ثقافتنا وتاريخنا، ولكن هذا الإعتزاز يجب أن لا يكون هذا الاعتزاز وسيلة للإتجار بالسياسة وكسب الأصوات، أن يكون مسألة شخصية أو برنامج سياسي وإجتماعي يبنى على أساسه طموح سياسي يجعل من أبناء الوطن رعايا برسم التوظيف والاستعمال، فيشيد بذلك جدارا من الوهم والكره بين أبناء الوطن الواحد، هذا الجدار معيار سماكته هو التماهي بين شخصية الفرد وبين الدين أو المذهب الذي ينتمي اليه.

إن الطائفية والمذهبية والعرقية هي أحد أهم أدوات تزييف الوعي البشري. وهي أحد أنجع الوسائل لتدمير الحقوق الإنسانية وخنق الصراع السياسي السلمي في المجتمع. ما من شك في أن أي انتهاك لحقوق مجموعة دينية أو قومية مسألة مدانة ووضع مرفوض بكل المعايير الأخلاقية والحقوقية والمدنية. لكن الحصول على هذه الحقوق لا يكون برفع راية الطائفية السياسية أو التعصب المذهبي والقومي، وإنما بانخراط مجتمعي واسع وشامل بأداوته وأهدافه، من أجل تحصيل تلك الحقوق على أرضية دولة المواطنة واحترام حقوق الأشخاص والشعوب.

تقوم دولة المواطنة على معيار الأكثرية والأقلية (السياسية) وليس الأكثرية والأقلية الإسمية (الدينية أو العرقية). هنا يجب أن نعود للوراء قليلاً ونقول إن معركتنا اليوم هي حقيقةً مع الفئة التي تعتبر نفسها فئة مثقفة وقائدة للرأي العام لأنها أكثر من غيرها باتت تروج لمنسوب الحقوق والواجبات الوطنية وفق معيار الأكثرية والأقلية العضوية والإسمية دينياً ومذهبيا!!

ليس من الغريب على إسلاموي مثل المحامي هيثم المالح أن يعتبر قتل كل روسي وروسية مباح وفق اتفاقية جنيف الرابعة (تصريح 2013) وأن يختار داعش إن خير بينها وبين بشار الأسد (تصريح في 2015). أو إخواني مثل زهير سالم يعتبر الإيراني والروسي أخطر من الإسرائيلي. كما لا يفاجأ المرء بالتواصل “الإنساني” بين جبهة النصرة وحكومة نتنياهو المتطرفة. ولكن يستوقفنا أكثر أشخاص مثل صادق جلال العظم (صاحب نقد الفكر الديني) وبرهان غليون (العلماني الديمقراطي؟) وميشيل كيلو (الصحفي اليساري؟) وجورج صبرا (أمين عام حزب الشعب الديمقراطي سابقا؟) وما بقي من “إعلان دمشق” والمجلس “الوطني” السوري، وصولا إلى فيصل القاسم (صاحب برنامج صراع الديكة)، وهم يتحدثون عن “جبهة النصرة” و”أحرار الشام”. يبحثون عن مجملات لدخول معلولا وضرب الكنائس وتدمير المزارات الدينية على اختلاف مذهبها، ومبررات لقتل الأسير على الهوية وذبح المقاتل المخالف. وضرب كل من يتحدث في برنامج وطني ديمقراطي باعتباره كافرا وصحوة غربية. ويعتبرون التحالف مع الشيطان التكفيري ضرورة استراتيجية ضمن مشروع جبهة واسعة لإسقاط النظام. هؤلاء جميعاً يلتقون مع روح المبادرة الرسمية الإيرانية لحل المسألة السورية بما تتضمنه من محاولة لاعتبار تحصيل الحقوق يكون باعتراف دستوري بالطوائف والمذاهب والقوميات وإلى ما هناك. علماً أن تحصيل الحقوق الفردية يستوعب الحقوق الجماعية وما أن تمنح الفرد حريته حتى تكون قد منحت كل الطوائف والقوميات حقوقها بشكل أوتوماتيكي.

ما يهمنا اليوم هو البحث عن سبل للخروج بالوطن السوري من حلقة العنف المغلقة… على الرغم من كل عمليات الشحن المذهبي والتسليح والتمويل العشوائية التي تنال من الإنسان والقوى المنتجة والبنيات التحتية الضرورية للوجود.

إن إدمان حلقة العنف المغلقة على كامل الأراضي السورية تقريبا، لا يشكل تدميرا ذاتيا لوجودنا كسوريين، بل يهدد المنطقة بموجات عنف وإبادة لن تنتهي في مئة عام. لاشئ أكثر ترويجاً لاستيطان العنف المذهبي والديني والعرقي في أذهان العامة والبسطاء من الناس من الخطاب الذي يتبناه عديد المثقفين وصناع الرأي العام في منطقتنا.. علماً أنهم يدركون خطورته لكن يبدو أنه ليس لديهم أدنى مانع في الترويج له طالما أن من ورائه مكاسب ضيقة وشخصية وفتوح “تاريخية” على الطريقة الهتلرية.

  • بين السياسي والمثقف

من الضروري أن نميز بين السياسي والمثقف، فقد أبانت الأحداث الأخيرة في سوريا والمنطقة أن أسوأ أنواع الساسة هم الذين كانوا يرفضون العمل السياسي ويتبنون العمل الثقافي والأكاديمي. لقد اختلطت في الأذهان شخصية المثقف وشخصية السياسي، بحيث تم إلحاق العمل الثقافي بالعمل السياسي. وكأي خلط في التاريخ فقد تدمرت الثقافة ونظرة الناس لها كما تدمرت السياسة وزاد عزوف الناس عنها طالما أن المثقفين الذين يتصدرونها قد أبانوا عن جهل في حركة التاريخ ومقومات النهوض والتقدم، هذا عدا عن ترويجهم للجهل وثقافة القطيع بعلم أو بدونه.

يحضرني هنا مثال الدكتور برهان غليون، الذي طالما تبجح بأنه لاعلاقة له بالعمل السياسي وأن نشاطه المعارض ضد النظام السوري هو نشاط مدني لا طموح فيه للسلطة. قبل أعوام كان غليون ضيفاً على برنامج “وحي القلم” على قناة الجزيرة باعتباره مثقفاً وأكاديمياً، وفي أثناء اللقاء تحدث عن معارضته للنظام السوري وروى أنه طالما كان يقول لضباط الأمن السوريين أثناء استدعائه للتحقيق معه أنه شخص يريد إصلاحات في البلد ومطالبه هذه غير مرتبطة بطموحات شخصية في الوصول إلى السلطة، وأن السلطة لاتعني له كمثقف وأكاديمي شيء وأنه بمجرد حصول هذه الإصلاحات في سوريا فإن مكانه الطبيعي سيبقى تدريسه في الجامعة، ولا يريد أن يكون في أي منصب حكومي. وبحسب غليون فإنه عَرض على المخابرات السورية إن كانوا يخافون من سعيه للسلطة أن يوقع لهم على ورقة يتنازل فيها عن أي طموح سياسي وهو بذلك يريد أن يقول لهم لا داعي لخوف مني فانا أريد إصلاحات ولا أستعمل هذه الشعارات للوصول للسلطة. وكما هو معلوم في الدول الشمولية والتسلطية الأمنية التركيب، فإن حساسيتهم عالية تجاه هذا الموضوع، فهم كثيراً ما يوسعون هامش الحريات الديمقراطية شريطة ألا تكون مرتبطة بتغيير في السلطة أو في سعي المواطنين للمشاركة بها.

بعد أعوام ثلاثة على لقاء غليون هذا تفجرت الإنتفاضة السورية. وقد شاهدنا جميعاً كيف خلع غليون عباءة المثقف والناشط البارز ليرتدي عباءة السياسي ولكن السياسي الانتهازي والفاشل. فغليون يعتقد أن كل من يشاهد نشرة أخبار يومية هو سياسي فما بالك اذا كان لا يشاهد نشرة اخبار يومية فقط وإنما أيضا يدرّس في السوربون مقرر علم الإجتماع!!

في السلطة الشكلية التي تبوأها غليون رئيساً للمجلس الوطني السوري، استعمل كل الوسائل للبقاء في موقعه، من تأييد الجماعات المسلحة وتغيير العلم السوري على الطريقة الليبية والمطالبة بكوريدور إنساني ومناطق حماية وتدخل للناتو وتبعية للمحور القطري التركي. مستخدماً خطابا شعبويا سطحياً – كي لا أقول ماهو أدنى من ذلك-. فسوّق لجماعات تتبنى برنامجاً إلغائيا للآخر أي أخر ومطلق أخر، كما عمل على الترويج لخطاب مذهبي في تنكر لكل ما كتب في العلمانية وقال حول الديمقراطية. نتيجة هذا الخلط ضاعت الثقافة وتاهت السياسة وتراجع الإيمان بها، حيث أن غليون قدم صورة مشمئزة للمثقف الإنتهازي والسياسي الفاشل.

-الفيلسوف والدعوة لحلقة العنف المغلقة:

إنزياح خطير آخر مثله المفكر السوري صادق جلال العظم عندما أخذ يروج للصراع والخطاب الطائفي، بحيث أصدر دعوة صريحة لتحويل سوريا الى حلقة عنف مفرغة وذلك في أكثر من مناسبة لعل أهمها إحدى المناسبات التي جمعت لفيفاً من المعارضة السورية في العاصمة الفرنسية باريس.

اعتمدت نظرة الدكتور العظم، على المظلومية المذهبية السنية، ووصل به الأمر للقول: إن مايحدث في سوريا يجب أن نلاقيه وفق مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم!! طبعاً يقصد العظم طائفة بأكملها بكلامه هذا، فهو لا يعتبر أن البادئ هو النظام السياسي القائم وإنما طائفة معينة يجب أن تحاسب ككل لأنها حسب رأيه هي من (بدأت).

كان من بين الحاضرين لذلك اللقاء المخرج السينمائي المعارض “أسامة محمد” الذي قام ورد على العظم قائلاً: أنا معك بأننا يجب أن نحاسب البادئ، ولكن دعنا أولاً نتفق ونقرر من هو البادئ؟ ومتى كانت البداية؟

طبعاً إن كلام محمد أعتبره أحد أهم الردود القصيرة والمرتجلة التي سمعت عنها وهي معبرة بشكل كبير عن أننا اذ ما دخلنا في متاهات المحاسبة على أسس طائفية وعرقية قطيعية فإنه يصعب علينا تحديد الجلاد والضحية حيث ستغدو كل جريمة أمامنا اليوم مسنودة ومبررة تاريخياً إنتقاماً لإضطهاد تعرض له هو أو أجداده أو أو الخ، وهنا سندخل في حلقة عنف مغلقة قد يكون العظم ونظرائه حاضرين على بدايتها ولكن أكيد أن قروناً أخرى ستشهدها ولانعرف أين تماماً ستكون نهايتها وكم من الأرواح ستزهق بسببها وكم من الموروثات الحضارية ستباد.

وللتاريخ، فمسيرة العظم سبقه إليها أكثر من سياسي وكاتب سوري. وعلى سبيل المثال، وللأسف أقول لا الحصر، كتّاب مثل عبد الرزاق عيد. المفيد التذكير اليوم بما كتبه في 1997 في كتابه “أزمة التنوير: شرعنة الفوات الحضاري”:

“إن تمزّق الثقافة الوطنية بين حدي معادلة (الجامع/الكاباريه) يستدعي عملية فك ارتباط عميقة وحاسمة من قبل المثقف الوطني الديمقراطي المدعو لمزيد من الشجاعة العقلية الراديكالية، وصلابة الإرادة الكفاحية، نقول فك ارتباط مع هذه المعادلة الكارثية التي تشد على خناق الثقافة الوطنية بين فتاوى (الفقيه) وأوامر (العسكري)، بين سيف الشيخ ومسدس الجنرال، بين بؤس الورع وسفالة التهتك، من أجل التأسيس لوعي اجتماعي وطني قومي ديمقراطي جديد مستقل عن كل ارتباط بنيوي- بسلطة النماذج (التراثية والحداثية الغربية أو الدولتانية البراغماتية) التي توظف التراث والحداثة في مصلحة توطيد سلطتها الهمجية.” (ص 71). وكتب أيضا: ” العلمانية ليست دعوة لفصل الدين عن المجتمع، بل لفصل الدين عن الدولة، لإنقاذ المجتمع من توظيف الدولة للدين ومأسسة الدين وتحوله إلى قوة إرهاب ضد العقل والعلم والتقدم” (ص 182).

رغم أن عبد الرزاق عيد قد شجب ادعاء الملكية الحصرية للدين وتلبيس حزب “الله” ثوب القداسة بالقول: “إن ادعاء ملكية الله، تسمح على المستوى الضميري والأخلاقي للمدعين، أن يتحللوا من التزاماتهم نحو خلقه، فلا بد للإسلاميين أن يعيدوا النظر في صياغتهم للتظرية الأخلاقية، لا بد من إعادة اللحمة بين الديني والأخلاقي، لكي لا يكون أداء الواجب نحو الله، فرصة للتحلل من الالتزام الأخلاقي نحو المجتمع والآخرين، ومن ثم الانكفاء والانطواء والانغلاق المتمحور حول الذات”(ص 272). صاحب كتاب “يوسف القرضاوي بين التسامح والإرهاب” (2005) يعلن استتابته عن نقد الإسلام السياسي والجهادي ويسقط في المذهبية السياسية وخطاب المواجهة الضرورية والحرب الحضارية بين الفارسي الباطني الشيعي الصفوي والسني المتنور المديني المخلّص للشرق من البربرية الجديدة خالصا للقول في حلته الجديدة: “الشعب السوري لا يثق إلا ببلدين في العالم هما السعودية وتركيا”

آه… لهذا الشعب، كم يتحدثون باسمه وعلى حسابه!

الشعبوية في مثالين:

حتى قيام الحراك السوري وتطوره إلى حرب كان لبنان بسياسيّه ومثقفيه يشكل الحالة الكلاسيكية النموذجية للخطاب الشعبوي القائم على دغدغة مشاعر العامة من الناس وتهيجهم ودغدغة مشاعرهم الدينية أولاً والقومية ثانياً. وللأسف فقد إنتقلت طريقة الخطاب الشعبوي هذه إلى سوريا وقبل ذلك الى العراق بعد 2003 حيث جرى تفكيك بنيات الدولة-الوطنية هناك.

– في عام 2007 وخلال إنتخابات فرعية جرت في إقليم المتن اللبناني، تحالف حزب أرمني مع الجنرال ميشيل عون ضد مرشح ينتمي لقوى الرابع عشر من آذار، وهو تحالف إنتخابي مشروع يجري مثيله في كل إنتخابات حول العالم. الملفت أن قوى 14 آذار، ولأنها شعرت بأنها خاسرة في هذه المعركة الإنتخابية، فقد قامت بتنظيم حملة ضد الأرمن كأرمن وليس ضد الحزب الأرمني المتحالف مع عون، وكان أن تصدر المشهد نائب لبناني – هو إبن رئيس سابق للبنان- فطعن في إنتماء الأرمن إلى لبنان وحقر وجودهم والمهن التي يمارسونها وطالبهم بأن يتذكروا دائماً أنهم “نازحون- جلب” إلى لبنان وليسوا أصلاء فيه وما الجنسية التي يتمتعون بها سوى – منية-. كما ذّكّر ذلك النائب بكلام قاله والده في الخمسينيات عندما كان رئيساً للجمهورية من أنه من الواجب وضع الأرمن في لبنان ضمن مايشبه الغيتو كي لايأثروا في لبنانية لبنان وصراعاته الإنتخابية!!

بعد عامين، وخلال إنتخابات عامة شهدها لبنان، اشتد التنافس على دائرة العاصمة بيروت، ولأن قوى 14 أذار تحتاج للصوت الأرمني في بيروت لتفوز قائمتها فقد تغير الخطاب وبات الأرمن جزء من النسيج الوطني اللبناني وساهموا في تطور البلد ووو الخ من هذه الكليشيهات.

هنا نحن أمام حالة سياسية-شعبوية قذرة، إذ كي يكسب هذا الطرف أو ذاك أصواتاً إنتخابية فإنه لا يتردد في الطعن في إنتماء المواطنين من خلفية مذهبية أو قومية معينة وهو لايتردد في عكس خطابه ساعة يشاء، ومشكلتنا تكمن هنا بالذات، فبين الخطابين حدثت إشكاليات مادية ومعنوية. فمن الإعتداء على مواطنين أرمن جسدياً إلى الإعتداء عليهم نفسياً و وجودياً وكل ذلك بسبب خطاب شعبوي أني اللحظة وسياسي-مصلحي الهوى.

هذا المثال هو أهم مثال أسوقه لسبب بسيط وهو أن الشعبوية، بما تعنيه هنا من إثارة الكراهية الكراهية وشيطنة الأخر، ليست حكراً على دين أو عرق دون أخر. إذ في مثالنا أعلاه تم استخدام الخطاب الشعبوي المثير لكراهية الأخر وشيطنته من قبل مسيحي ضد مسيحي أخر، ولكن عندما يتشابه الدين فإن الطبقة السياسية المنحطة والإقطاعية تتجه لحيثيات أخرى فتهاجم وتهيج الناس بناء على انتماءات أخرى كالمذهب وإن تشابه الدين والمذهب فتستند إلى الاختلاف القومي أو العرقي وقد تلجأ الى حيثيات أخرى طالما أن ذلك يساعد في شد عصب المجموعة التي ينتمي إليها ويضعضع جبهة الأخر.

– في سوريا يجري الأمر بطريقة أخرى نوعاً ما. فكثيرون ممن أرادوا الولوج إلى الشهرة أو التصدر الإعلامي والسياسي قد استندوا في ذلك الى إحياء الإنتماءات الماقبل وطنية. وشددوا على أن الخلاص يتم عن طريق قوننة حقوق طائفية وقومية، وسوقوا للناس أن الخلاص يتم بشد العصب الطائفي أو العرقي وليس بالإنفتاح على الآخر. لذلك لم يتردد كثيرهم في تنظيم مؤتمرات أو جبهات سياسية تستند إلى الإنتماء للطائفة أو للعرق.

ففي القاهرة نظّم علويون مؤتمراً لهم وفي مدريد نُظم مؤتمر للدروز واحتضنت تركيا مؤتمرين واحد للمسيحيين وأخر للتركمان. طبعاً هنا يجب أن نفرق بين أمرين مهمين. حيث أننا هنا نهاجم ونقف موقفا نقديا صارما من تلك المؤتمرات لأنها ذات أهداف سياسية مصلحية آنية مسبقة التوظيف، وليست ذات هدف ثقافي-حضاري هو واجبنا جميعاً في المحافظة عليه وإحيائه لأنه تراث انساني وهو مسؤوليتنا جميعاً سواء انتمينا لهذا الدين أو ذاك المذهب أو تلك القومية. بمعنى آخر، ليس هَم أولئك تنظيم مؤتمرات أو تجمعات تعنى في الحفاظ على لغة قومية مثلاً أو تعالج هموم تنويرية وحضارية لدى هذا الدين أو ذاك المذهب، وإنما جل غايتهم استعمال انتمائهم العائلي ضمن استراتيجيات الصراع على السلطة. من خلال شد عصب على أساس الشعور بخصوصية كل حيثية ما قبل وطنية وعلى أساس من التقوقع على الذات والنظر الى هموم الوطن ومشاكله وطرائق حلها من منظار مصلحة الدين أو المذهب أو العرق وليس من منظار المصلحة الوطنية الكلية الجامعة. كنت أتمنى لو أن العلويين مثلاً قد نظموا مؤتمراً لهم لتشكيل جمعية تعنى بإحياء تراثهم الغنائي أو الفكري وتوثيقه، هذا التراث المعرفي والفني الذي يعني كل سوري وإنسان. كنت أتمنى لو التئم الموحدون الدروز مع كل متابع ومهتم، في مؤتمر يكون هدفه إنجاز موسوعة للأجيال الحالية والقادمة عن عادات وتقاليد أهل الجبل الجميلة. كنت أتمنى أكثر لو نظموا مؤتمراً يعالج تطورات وضع المرأة ويؤسس لإصلاحات في وضعها. كنا نتمنى لو أن جهود تنظيم مؤتمرات للإخوة التركمان قد انصبت في إتجاه معالجة قضايا التهميش لمناطقهم والتعامل مع لغتهم بل ما هو أخطر من ذلك زيادة الأمية وفرص العمل مع تزايد العنف في البلاد، أو كانت بهدف نقاش وتوثيق وحفظ التراث الشعبي للتركمان السوريين. إن كل ذلك هو واجب مدني وإنساني يخص الجميع، ولكن أبداً لا ينظم من أجلها المؤتمرات فلا يهم الطبقة السياسية لا فولكلور ولا موسيقى ولا تراث ولا ولا الخ، بل جل همها تجهيل الناس أكثر بحاضرهم وماضيهم وإشعارهم أن مستقبلهم لا يكون بانفتاح تجاربهم وتراثهم على أنفسهم وعلى الأخر بل من خلال تدجين أنفسهم في مؤتمرات وأحزاب تساعد على شد العصب والتعصب والعمى السياسي.

إن الإشارة إلى كون هذا المؤتمر سطحي الغرض شعبوي النهج تبريئي من “جريمة” اعتبرت من التكفيريين جماعية بحق مذهب أو دين. ينطلق من أهداف هذا المؤتمر أو تلك التجمعات ومموليها وداعميها (صرح روبرت فورد بأن تنظيم هكذا مؤتمرات يلقى الدعم الكامل من إدارته كدلالة على اهتمامها بالأقليات).

بكل أسف لم يكن هدف هكذا اجتماعات معالجة هموم ثقافية وحضارية وقوننة المفيد وإصلاح الغث كل في تراثه الديني أو القومي، بل تعمد تغييب كل هذا، بالتجاهل، وتدجين الناس وقوقعتهم ضمن انتماءات تدخلنا في اللبننة في وسط غير حاضن لها، وفي مشروع المحاصصة والتصنيف الدستوري المذهبي الذي فرضه الاحتلال على العراق وما زال إخوتنا العراقيين يدفعون ثمنه غاليا.

إضاءة على مايشبه الإعتذار

في زيارتي الأخيرة الى مدينة عامودا العام الماضي شاهدت كنيسة قديمة كانت مهجورة لعقود طويلة تتوسط بعض الأشجار… هذه الكنيسة المهجورة وعلى الرغم من أن لا سريان اليوم في عامودا، فقد قام شبيبة حزب الاتحاد الديمقراطي بتنظيفها وإصلاحها ويقومون بدعوة الناس إليها. هذا المثال هو من يجب أن يعمم في مشرق التعايش، حيث أن لا دين إلا وإرتكب الجرائم ولا قومية إلا وارتكبت المذابح عبر التاريخ الطويل. وبرأي الشخصي أنه لا يمكننا محاربة المذهبية والشوفينية والتطرف بشكل عام إلا من خلال العمل على إزدهار المواطنة، وهذا لا يكون إلا بعد أن ندخل على مناهجنا الدراسية بالترادف مع حملات تثقيفية وتوعوية مكثفة وكبيرة، تكون مهمتها الرئيسية زرع فكرة أن لادين ولا مذهب ولا قومية إلا وارتكبت الجرائم والمذابح عبر تاريخها الطويل فلا أحد يستطيع إدعاء عكس ذلك ولا أحد يستطيع أن يبني مظلومية تاريخية بشكل طهراني.

إن مستقبل منطقتنا ورفاهية أبنائنا وأحفادنا ووقف الصراعات على أسس دينية-مذهبية أو عرقية لن تكون إلا عندما تتخلص شعوب المشرق من فكرة “الماضي المجيد” و “الأجداد الملائكة” و”الفرقة الناجية” وخير أمة وقوم.. إن فكرة سيادة الأمة يجب أن تنتهي في سبيل قيام سيادة المواطنة. إن سيادة الأمة هي ما تمنع الأتراك، مثلاً، عن قبول حقيقة تاريخية (كمذبحتي الأرمن والسريان) وكأن أتراك اليوم هم نفس أتراك الأمس.

على شعوبنا أن تعي أن التاريخ القديم هو تاريخ دموي ولا يوجد أمة -أو دين أو مذهب – لم تذبح أو تسبي أمة ثانية وتحت حجج عديدة إن دينية أو قومية أو أو إلخ، فليس العرب أو الكورد أو الإنكليز أو الفرنسيين أو المسيحيين بمذاهبهم والمسلمين بمذاهبهم وشيعهم -هم وغيرهم – ملائكة الله تمشي على الأرض.

وبرأينا، ليس على الشعوب أن ترفض الإتهامات الموجهة ضد صفحات مشينة في ماضيها، بل عليها السعي نحو الاعتراف بذلك الماضي كدرس وعبرة والإعتذار عنه –على أقل درجة- والتأسيس لأجيال لا تقتل بعضها البعض بناءً على خطب تعبوية سياسية خطيرة تستثمر في التنوع البشري لمصالح سياسية ضيقة، لزعيم أو حزب وليس لتنمية الوجودين المادي والمعرفي وتعزيز أواصر التعاون بين مكونات المجتمع المختلفة.

مداخلة الزميل نبراس دلول،  قدمت في ندوة أقامها المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان حول التطرف المذهبي في الشرق الأوسط .حق المعرفة وحرية الاعتقاد جنيف  5-6 سبتمبر 2015.

جنيف 4-9-2015