مشكلة النموذج في مشروع النهضة العربية

faysal“بين تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة ” كان عنوانا لنقاش جدي في جنيف الاسبوع الماضي، خلال ندوة نظمها الدكتور هيثم مناع رئيس “المعهد الاسكندنافي لحقوق الانسان” تكريما للراحل حسين العودات، المثقف التقدمي والنهضوي و الناشر المعروف..تمثلت مقاربتي لموضوع الندوة بنص تركز على مساءلة للمفاهيم النهضوية، قياسا الى البلدان او الامم التي خرج منها التفكير النهضوي وانطوت على نقد لمشكلة المنوذج الذي ساهم في كبح النهضة بدلا من اطلاقها .
السؤال الاهم الذي شغلني وربما يشغل عددا من المهتمين بهذه المسالة هو ” هل ننهض نحن العرب وفق النموذج الاوروبي ؟ وهل نهضت امة اصلا وفق نموذج محدد او خارطة طريق مرسومة بدقة سلفا؟ بكلام اخر هل يمكن ان تنهض امة استناد الى سيرورة او خطة مرسومة على غرار عناصر المشروع النهضوي الذي وضعه مركز دراسات الوحدة العربية قبل سنوات قليلة ؟ اوهل يمكن النهوض على قياس خارطة الطريق البعثية التقليدية المستمدة من تجارب اوروبية ؟ وهل يمكن النهوض وفق خرائط طريق اخرى ليبرالية وماركسية واشتراكية ؟
الجواب الاقرب الى واقع الحال، ان “النمذجة” في موضوع النهضة ، لا تنطوي على وعد جدي بانجاز هذه المهمة التاريخية، على الرغم من خصائصها الجذابة والمغرية بل البديهية كما هي الحال مع عناصر المشروع النهضوي التي يطرحها مركز دراسات الوحدة العربية وفي طليعتها: التجدد الحضاري والديمقراطية والوحدة والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.. .الخ
بعض المفكرين النهضويين يذهب الى ابعد من العناصر المذكورة بمسافات، اذ يرى ان لا نهضة مع الدين كما هي الحال مع المفكر السوري صادق جلال العظم في كتابه “نقد الفكر الديني”، والبعض الاخر يرى ان لا نهضة الا عبر تهديم بنى المجتمع التقليدي العربي كما ينسب الى المفكر والشاعر الشامي ادونيس، وربما يشترك كثيرون مع ادونيس في هذا التقدير ممن ينشطون في التيار الماركسي او العلماني الراديكالي.
المتفق عليه ان افكار النهضة جاءتنا من التجربة المركزية الاوروبية، وقد صرفنا قرنا او اكثر في تداولها والبحث في كيفية تبيئتها وتطبيقها، ومع ذلك لم تتحول هذه الافكار الى قوة مادية جديرة بنقل العرب من حال التخلف الى حال التقدم، اي من حال التبعية الى حال الشراكة الندية مع الامم السيدة في
هذا العالم ؟
اغلب الظن اننا قرأنا التجربة النهضوية الاوروبية، او انها استقرت عندنا وفق التصور المتداول او المراد، او جاءتنا في تضاعيف التبعية التي تملي اعتماد التابع افكار المتبوع وطريقة تفكيره ونمط حياته.
ان القول بان لا نهضة مع الدين يتناقض مع التجربة النهضوية الاوروبية نفسها، التي انطلقت من الكنيسة الكاثوليكية في ايطاليا في القرن الرابع عشر لتصطدم من بعد مع الكنيسة في مراحل وقرون لاحقة. لقد تمكنت الكنيسة الكاثوليكية في اسبانيا من مصادرة العلوم العربية المتطورة في الاندلس بعد سقوطها وعملت من بعد على نشرها والافادة منها والبناء عليها، مع التنويه هنا بان الكنيسة كانت في القرون الوسطى تحتكر المعارف والتعليم وتضبطها تحت سقف الدين.
والجدير ذكره ان الكنيسة الكاثوليكية لعبت دورا نهضويا مميزا بعد سقوط القسطنطينية، وبالتالي سقوط التنافس العالمي بين الكنيستين، وتحول قسم مهم من النخبة البيزنطية الى روما الامر الذي سيؤدي من بعد الى المركزية الاوروبية المستمرة حتى يومنا هذا.
اما القول ان لا نهضة بدون وحدة فهو يتناقض ايضا مع المثال الاوروبي الذي يفيدنا بان النهضة بدأت من فلورنسا وانتقلت من بعد الى باقي المواقع الاروبية وقد ساهمت اسرة ميديتشي الايطالية مساهمة كبيرة فيها، فضلا عن الاكتشافات الجغرافية التي انطلقت من اوروبا الى اميركا والتي لعبت دورا تاريخيا في النهضة الاوروبية. والجدير ذكره في هذا السياق ان الوحدة الاوروبية ما زالت غير ناجزة بعد وهي ابعد مايكون عن الوحدة الاندماجية التي يراد لها ان تكون سببا في نهضة الامة العربية .
واذ توضع التنمية المستقلة كشرط نهضوي حاسم فهذا ايضا لا يتناسب مع امثلة نهضوية اخرى ومنها المثال الكوري الجنوبي الذي نقل هذه الجزء من كوريا من حال الى حال خلال اقل من نصف قرن في ظل تبعية مطلقة للولايات المتحدة الامريكية التي مازالت حتى يومنا هذا تحتفظ بقواعد امريكية في هذا البلد .
واذ يجري الحديث عن استحالة النهضوض بعد هزيمة عسكرية ساحقة الا بعد انتصار عسكري يغسل الهزيمة فانه قول صائب وخاطيء في الان معا فهو صائب ان تمكن الطرف المهزوم من تحقيق الانتصار على عدوه والثار لهزيمته و هو قول خاطيء، لان المثال الياباني النهضوي يطيح به تماما. فقد حقق هذا البلد نهضة لامعة بعد هزيمته الساحقة في الحرب العالمية الثانية ولم تتم نهضته بعد انتصار عسكري على الولايات المتحدة .
واذا كان صحيحا ان النهضة اليابانية قد بدأت قبل الهزيمة العسكرية، فالصحيح ايضا ان الهزيمة محقت كل ما صنعه هذا البلد الذي وصل الى حافة الجوع بعد الحرب العالمية الثانية الامر الذي يستدعي استخلاص درس اخر من تجربته يقوم على صلابة الهوية التي منحت اليابانيين القدرة على العثور دائما على حلول مشرفة لمشاكلهم الصعبة.
اما الاشارة الى شرط الديمقراطية لقيام النهضة العربية فهو يتناقض مع المثال الاوروبي لان النهضة الاوروبية تمت في العصور الاوروبية الوسطى ولا صلة لها بالديمقراطية التي يمكن اعتبارها البنت الشرعية للسوق الراسمالية التي استقرت في اوروبا واصبحت من بعد قوة عالمية كاسحة وقاهرة لكل النظم والتشكيلات السياسية والاجتماعية التي تعترض سبيلها في مختلف انحاء العالم.
ان القياس العربي على النهضة الاوروبية لم يفض كما نلاحظ الى نهضة عربية بل الى درس حاسم مفاده ان النمذجة قد تكون احيانا سببا في كبح النهوض في معرض البحث عنه.
فيصل جلول